اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات التونسية بشنّ حملة قمع ممنهجة ضد المجتمع المدني، معتبرة أن الإجراءات المتخذة منذ ماي/أيار 2024 ترقى إلى «محاولة لإغلاق المجتمع المدني في تونس»، وتهدد إحدى آخر مساحات المشاركة العامة في البلاد.
وفي تقرير جديد صدر اليوم الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول 2026 بعنوان «حياة مع وقف التنفيذ: قمع المجتمع المدني في تونس»، وثّقت المنظمة ما وصفته بتصاعد الاعتقالات والاحتجاز التعسفي والتحقيقات المالية والجنائية وتعليق أنشطة الجمعيات، إلى جانب مساعٍ لتشديد الإطار القانوني المنظم لعملها.
وبحسب التقرير، لاحقت السلطات ما لا يقل عن 47 شخصا على صلة بمنظمات غير حكومية، بينهم أعضاء وموظفون وموظفون سابقون، فيما أُدين 14 شخصا على الأقل وحُكم عليهم بالسجن. وتشير المنظمة إلى أن إحدى المدافعات البارزات عن حقوق الإنسان حُكم عليها في مارس/آذار 2026 بالسجن ثماني سنوات وغرامة مالية كبيرة على خلفية تهم وصفتها المنظمة بالتعسفية.
كما وثقت هيومن رايتس ووتش احتجاز ثمانية عاملين في منظمات غير حكومية لأكثر من 14 شهرا، وهي المدة القصوى للإيقاف التحفظي التي يسمح بها القانون التونسي، قبل الإفراج عن خمسة منهم أواخر 2025 وأوائل 2026. وتقول المنظمة إن بعض هذه القضايا ارتبطت بعمل جمعيات تقدم المساعدة للمهاجرين وطالبي اللجوء.
ويركز التقرير بصورة خاصة على تجريم التضامن مع المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، مشيرا إلى استخدام السلطات نصوصا قانونية فضفاضة لملاحقة أشخاص ومنظمات بتهمة مساعدة أو إيواء أشخاص لا يتمتعون بوضع هجرة قانوني. كما انتقد قرار السلطات، في جوان/حزيران 2024، مطالبة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بتعليق معالجة طلبات اللجوء، في ظل غياب نظام لجوء وطني في تونس.
وفي جانب آخر، رصد التقرير فتح تحقيقات مالية وجنائية ضد عدد كبير من الجمعيات. وقال إن 12 جمعية على الأقل أُبلغت، نهاية 2024، بفتح تحقيقات بشأنها، فيما طالت تحقيقات لاحقة منظمات أخرى، بينها المكتب التونسي لمنظمة «المفكرة القانونية» و«المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية». وترى المنظمة أن استمرار هذه التحقيقات لفترات طويلة يمثل وسيلة لترهيب الجمعيات وإرهاقها إداريا وماليا، مع تجميد الحسابات البنكية لجمعيتين على الأقل.
كما أحصت هيومن رايتس ووتش ما لا يقل عن 20 جمعية عُلّقت أنشطتها بين جويلية/تموز 2025 وماي/أيار 2026، مشيرة إلى أن نحو 30 جمعية طعنت في قرارات التعليق، لكن طعونها رُفضت، فيما تواجه جمعيتان على الأقل إجراءات للحل.
ويربط التقرير بين هذه الإجراءات وتراجع استقلال القضاء، معتبرا أن السيطرة التنفيذية على السلطة القضائية منذ إجراءات 2022 جعلت قرارات تعليق الجمعيات مصدر قلق إضافي.
وحذرت المنظمة كذلك من مساعي السلطات إلى تغيير المرسوم 88 المنظم للجمعيات، معتبرة أن مشاريع القوانين المطروحة يمكن أن تمنح الحكومة صلاحيات واسعة في تأسيس الجمعيات وأنشطتها وتمويلها، بما يشكل تهديدا مباشرا لحرية تكوين الجمعيات.
ودعت هيومن رايتس ووتش السلطات التونسية إلى وقف حملتها ضد المجتمع المدني، والإفراج عن النشطاء والعاملين في المنظمات غير الحكومية المحتجزين تعسفيا، وإلغاء الأحكام الصادرة بحقهم، ووقف التحقيقات والملاحقات المرتبطة بعمل الجمعيات.
كما طالبت البرلمان بسحب مشاريع القوانين التي تقيد حرية تكوين الجمعيات، ودعت الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة لتونس إلى ممارسة ضغوط علنية وخلف الأبواب المغلقة من أجل وقف ما وصفته المنظمة بـ**«القمع المتصاعد للمجتمع المدني»**.

