والآن ماذا بعد؟
مقالات راي 20 أكتوبر 2026

والآن ماذا بعد؟

بقلم: ameurayed

بوجمعة الرميلي

دون أي أفق للخروج من ورطتها، تقف تونس لا فقط حائرة في أمرها ولكن بالخصوص منقسمة على نفسها، مما يزيد من حدة وثقل الصعوبات، لما يحمله التشتت من أسباب العجز الجماعي المزمن والمتراكم والمثبط للعزائم.

ودون الرجوع إلى القرون الوسطى للبحث عن الأسباب فإن ما يسمى بسلطة 25 جويلية تتحمل الجزء الأهم من المسؤولية لما خلقته لأول مرة في تاريخ البلاد الحديث من تحطيم لكل قنوات الحوار، ما لم يحصل قط في السابق، حتى في أحلك ظروف محاولات الاستفراد المطلق بالرأي والقرار.

لكن 25 جويلية 2021 لم تمطر به السماء وإنما جاء كنتاج للتطورات الاستثنائية التي عرفتها تونس على إثر هروب بن علي وسقوط حكمه يوم 14 جانفي 2011، والتي كان من المفروض أن تمثل فرصة خارقة للعادة لتجاوز عوائق حكم الحزب الواحد والتسلط وما أوصل إليه لا فقط من تعطيل للحريات والديمقراطية والنيل من حقوق الانسان وإنما أيضا من تفشي الفساد المرتبط خصوصا بالعائلة الحاكمة.

لكن من عوائق ثورة 14- كما تمت تسميتها منذ البداية وعلى نطاق واسع داخلي وخارجي- ما جد من تحويل لوجهتها، من فرصة تاريخية استثنائية للصعود بتونس إلى درجة أعلى في سلم الرقي والازدهار تراكم على المكاسب الكبرى لدولة الاستقلال وتفتح على صفحة جديدة من تاريخها لفائدة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، عوضا عن ذلك، ظهرت أشكال وأجناس من التيارات المتنوعة والمتعددة همها ليس التجاوب مع طلبات التونسيين في تحقيق قفزة نوعية جديدة على طريق التقدم والانجاز الوطني والكرامة للشعب وإنما الالتقاء حول هدف الثأر من بورقيبة، المعتبر، حسب تلك الأنواع من الاتجاهات والتيارات، كاغترابي منحرف عن الإسلام والعروبة ومدافع عن مصالح الأثرياء ومتخلي عن سيادة البلاد لفائدة الغرب الاستعماري، ومن ثمة كانت المناداة بالتأسيس لحقبة جديدة تقوم على» مسح الماضي بالكامل»، من بين تجلياتها الغريبة اعتبار أن العدالة الانتقالية لا بد أن تنطلق من تاريخ 1 جوان 1955، يوم عودة الحبيب بورقيبة منتصرا من منافي وسجون فرنسا، زمن لم يكن فيه لا دولة مستقلة ولا حكم أصلا يتم على أساسه التوثيق للعدالة الانتقالية.

ومن بين أسباب انتصار أطراف أساسية من ذلك الطرح، الملتئمة في إطار «الترويكا»، في انتخابات 2011، ضعف التيار التقدمي العقلاني، الذي وإن نقد بورقيبة وبن علي وعارضهما معارضة جدية وصريحة، لكنه لم ينف عنهما صفة الاصلاح والوطنية رغم النواقص الكبيرة في مجال الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان وانحرافات الفساد العائلي وما تسببت فيه تلك الثغرات الفادحة من حدوث انتفاضة الشباب التي انتهت بإسقاط الحكم القائم دون الوثوق من وجود أي بديل يستثمر في الإنجاز الثوري.

وأمام نجاح الترويكا الساحق في انتخابات 2011 وما حمله ذلك من مخاطر إسقاط صرح كامل من تاريخ تونس المضيء، لم يبق أمام التيار التقدمي العقلاني من خيار غير بعث تجميع جديد، ذو وزن ثقيل، قادر فعليا وميدانيا وليس فقط على مستوى التنظير والمبادئ السخية، على إيقاف التيار الجارف الذي يهدد وجود تونس ما بعد الاستقلال وجرها نحو الهاوية، بالعمل على الحفاظ على المكاسب الاجتماعية والتقدمية والسعي بنفس القوة والجدية والعزيمة على الارتقاء بها نحو درجات جديدة من العدالة والحرية والديمقراطية.

ولقد ساهمت تجربة التجميع التقدمي العريض، بعد التوصل إلى فرصة الحوار الوطني الذي نادت به أربع منظمات منها الاتحاد العام التونسي للشغل، في تجنيب تونس مآلات ومآسي الثورات العربية في ليبيا وسوريا واليمن، المدمرة لدول وبلدان برمتها، بما توفر للتجربة من قوة سياسية -اجتماعية حاسمة قلبت موازيين القوى الانتخابية والسياسية رأسا على عقب.

لكن رغم الفوز بالانتخابات الرئاسية والتشريعية للتيار التقدمي العقلاني، كنجاح فريد من نوعه لم يسبق ولم يتبع له مثيل في العالم العربي والإسلامي، فإنه من ناحية أولى كان النجاح نسبيا بالحصول فقط على الموقع الأول في البرلمان وليس على الأغلبية المطلقة، مع حصول حركة النهضة الاسلاموية على مرتبة ثانية قوية مقارنة بكل الأحزاب التي ترتبت خلفها بفوارق كبيرة جدا، ومن ناحية ثانية، فإن الفترة القصيرة جدا للسنتين ونصف فقط التي انتقل فيها التجميع السياسي - متنوع التكوين والتنظيم والتجارب والمسارات بين «دساترة» (ممن قبلوا بانتهاء حكم الخمسة وخمسين سنة وبضرورة المرور إلى مرحلة جديدة ولم يكتفوا بنعت الأحداث التي هزت البلاد هزة لا توصف ب»ثورة البرويطة») و»ديمقراطيين» - من المعارضة للترويكا مع تحمل كل أنواع التنكيل بما فيه الاغتيال، إلى المراتب الأولى من كل مؤسسات السلطة، كانت إذن تلك القفزة النوعية في تغيير وجهة المسار التونسي آنذاك قد عرض التجربة إلى اهتزازات واضطرابات قوية أثرت على توازناتها وتماسكها الداخلي بشكل جعلها تعجز عن التحكم في تبعات النجاح الانتخابي لما أصابها من أنواع وأشكال التقلبات والانحرافات والأطماع والانتهازيات، سريعا ما أدى بأمرها إلى الانقسام والتشتت والهزيمة الانتخابية سنة 2019، قبل الانهيار الشامل والاندثار الكلي.

ومن عواقب تلك التطورات الحاملة للكثير من المفاجآت - خصوصا بتحولها السريع من أمل عريض في التوصل إلى الحل الإيجابي المبشر بمواصلة الإصلاح الوطني في ظل ظروف جديدة مليئة بالفرص المواتية، إلى الارتداد الكلي - أنها تسببت في تغييب البديل المناسب بعد الانهيار وفي التوقيت المطلوب، نظرا لعمق وسرعة التداعي، مما فتح الباب على مصراعيه أمام الفوضى البرلمانية واللخبطة الحكومية الكارثية، كانت كلها بمثابة التمهيد للمغامراتية الشعبوية التي لم تقض إلا سنتين فقط لإعداد نفسها، قبل أن تجهز على مجمل تجربة ما بعد 14 جانفي بالانقلاب على دستور 2014 كأهم إنجاز لعشرية ما بعد الثورة لما حققه من انتصار على التيارات الارتدادية المتربصة بمكاسب تونس العظيمة من خلال ما لوحت به من تهديدات الزج بالشريعة الإسلامية - دون أن نفهم أي شريعة مقصودة، شريعة السعودية أم الأزهر أم أفغانستان أم تركيا أم قطر أم شريعة منظمة القاعدة أم شريعة داعش؟ - ضمن دستور مدني بامتياز، يصادق عليه برلمانيا من طرف منتخبين من الشعب، وكذلك ما نادت به من حط من وضع المرأة التونسية من خلال اعتبارها مجرد مكمل للرجل عوض تثمين مكانتها ودورها كمواطنة كاملة الحقوق والواجبات، كان ذلك سيحصل لولا الوقوف الشعبي والنسوي والشبابي الحازم في اعتصام الرحيل الذي حال دون تلك المخاطر الوجودية.

لكن أمام تواتر الانتكاسات السياسية والنتائج الانتخابية لسنة 2019 - الفاقدة لأي معنى نتيجة غياب أي تصور للحل الوطني يكون سابقا لها وقادرا على إعطائها المحتوى السياسي المطلوب - والفوضى المؤسساتية التي تبعتها، حل بالمجتمع التونسي نوع من «التعب الديمقراطي» بعد تسع سنوات من «الهزان واالنفضان» كما يقال بالدارجة التونسية، جعله في مجمله يتقبل قرار 25 جويلية بنوع من «تسليم الانهاك»، أدى إلى اعتبار مسألة التخلي الخطير عن دستور 2014 وكأنه محل قبول على نطاق واسع، وكأنه تسليم بأن مجمل مسار ما بعد 14 جانفي توقف ولم يعد قابلا لأي عمل على أساسه.

وقد أضفى الاتعاب الديمقراطي والإعياء السياسي على قرارات 25 جويلية نوعا من الشرعية رغم خطورتها القصوى، على أساس التصور من طرف الكثير، بما فيه كثير من «الديمقراطيين»، بأن قرار «تجميد الاعتماد على دستور 2014» قرار ضروري مؤقت، سيفتح بدون شك في وقت قصير لاحق على حلول تتجاوز العراقيل القائمة وتؤسس لمرحلة جديدة أنفع للبلاد.

لكن المفاجآت المناهضة للتطلعات والتمنيات تواترت وتكثفت وتواصلت دون توقف، بعدما تبين أمر الانفراد الكلي بالسلطة وسد كل منافذ الحوار والتضييق على الحريات واللجوء إلى محاكمات الرأي والأحكام الثقيلة بشكل غير مسبوق، علاوة على التصريحات اليومية المتهمة بالتآمر للعاملين بالدولة من طرف رئيس الدولة نفسه، الأمر الذي حير الكثير ولا يزال فيما يخص الطابع الغريب لهذا السلوك من طرف أعلى هرم السلطة.

وإذا كان الكثير من بين النزعات العدمية والفوضوية، بما فيه الشبابية منها، التي في الكثير من الأحيان غير ملمة كما ينبغي بالتحديات والرهانات الوطنية وخطورة التلاعب بالمكاسب، قد تحمس في البداية سواء لفائدة الإنجاح الانتخابي الرئاسي أو المساندة ل25 جويلية، فإن الفشل الذريع في حلحلة أوضاع البلاد وتراكم الصعوبات على جميع الأصعدة بدأ يتحول إلى شك عميق لدى تلك الأوساط، تؤيده بصفة ملموسة نسب المشاركة في الانتخابات، الهزيلة جدا في مجملها، وما تؤشر عليه من استفحال وتعميق العزوف عن السياسة، كظاهرة من أخطر الظواهر على البلاد ومستقبلها القريب والبعيد.

ومن الخصائص الجوهرية للوضع التونسي التزامن والتلاصق والترابط بين الأزمة السياسية والمؤسساتية المستفحلة إلى أبعد الحدود والأزمة الاقتصادية والاجتماعية على أكثر من واجهة، والتي لا تؤشر لأي مخرج من مطبات أضرارها المتواترة والمتراكمة، نظرا لأزمة الحوكمة المستفحلة كنتيجة للانغلاق والانفراد المطلق بالقرار في ظل أوضاع تفرض الحد الأدنى من التشاور والتشريك نظرا للتعقيد الأقصى للظروف القائمة وما يستدعيه ذلك من حد أدنى من الاجتهاد المشترك قصد التوصل إلى الحلول التي تتمتع أيضا بالحد الأدنى من الاقناع والاقتناع.

والملفت للنظر أن رغم طول مدة التجربة السلبية وما كان من المفروض أن تسمح به من فرص التدارك واستخلاص الدروس واستنباط الطرق المغايرة للمعالجة، فإن ما يصدر عن طريق السلطة والاعلام العمومي، المتحكم فيه كليا، ظل يرابط في نفس مواقع الانغلاق والاعتداد بالنفس بما لا يسمح بأي تقدم ولو بسيط في اتجاه الحلول المطلوبة، خارج التكرار الممل حول التآمر واتهام أعوان الدولة بالتنكيل بالشعب.

والتمادي في عدم فهم سر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة أمر غريب بينما التشخيص واضح، تم ترديده في أكثر من مناسبة من طرف من يتحلى بالحد الأدنى من الموضوعية والجدية، والمتمثل في أن الانهيار الكبير والمزمن للإنتاج - يتم التدليل السريع والمقتضب عليه بالنظر إلى حجم الناتج التونسي مقارنة بالمغربي حيث نزل نصيب التونسي من المغربي من 46,2% سنة 2010 إلى 31,5% سنة 2025 ويتواصل الانخفاض إلى حدود 27,8% سنة 2030 على أساس نفس التطورات - هو المتسبب في التداعي لكل مؤشرات الاستثمار والاستهلاك والتشغيل والمديونية وتدهور المقدرة الشرائية والتفقير بالجملة واستفحال الوضع التنموي المتردي للجهات الداخلية والتراجع المفزع لمستوى الخدمات العمومية في الصحة والتعليم، انتهاء بأزمات الطاقة ومياه الشرب، كل ذلك نتيجة لكون الماكينة الإنتاجية التونسية تعطلت إلى حد مفزع، انجر عنه انفجار اللجوء إلى الاقتراض والتداين لسد الفراغات بين الموارد والمستحقات لكل من الدولة ومؤسسات الإنتاج والعائلات، لتتفرع عن ذلك كل أنواع العجوزات، الداخلية منها والخارجية، المتراكمة بلا توقف كنتيجة للفرملة الكارثية للدورة الاقتصادية.

وهو الانهيار الذي يفسر مجمل المؤشرات الأخرى التي غالبا ما تقدم بشكل عشوائي بالخلط المفرط بينها بما لا يمكن من أي إدراك لتلازمها وترابطها فيما بينها وخاصة الوقوف على السبب الأصلي وراء كل ذلك.

وهكذا لم يتم التركيز الكافي لفهم انهيار الإنتاج كسبب مفسر لمجمل الأسباب الأخرى وأن انهيار الانتاج لم يكن فقط متأتي من الاضطراب الشديد الذي تعرضت له آليات الدولة على إثر صدمة الثورة وسقوط النظام السابق ولكن أيضا وبنفس الأهمية لأن «المنظومة» الاجتماعية - السياسية التي كانت تسند الدولة عرفت بدورها اضطرابات واهتزازات ثقيلة، بعثرتها ولخبطتها دون أن يتم التوصل إلى أي بناء لمنظومة تعويضية نظرا لكون الأمر على غاية كبرى من التعقيد وأن تعويض منظومة بأخرى في مثل هذا المجال الذي يخص المصالح والارتباطات والشبكات والعلاقات وموازين القوى لا يتطور بمجرد الإشارة إليه أو الهمس به أو الدعاية له.

وما سبق يحيل من جديد على كيفية فهم الثورة، إما كإعادة بناء شاملة ل»المنظومة» الساندة للدولة ومؤسسات الدولة نفسها والطبقة السياسية بأكملها والنظام السياسي برمته، وتغيير مواقع ومواقف مختلف القوى الاجتماعية والسياسية بشكل جذري، بما سيتطلبه من مسار كامل، يحتاج إلى شروط ومسبقات وضمانات لإنجاحه وإيصاله إلى ما هو المنتظر منه، وإما على كون الثورة مدخلا للديمقراطية، يمكن من التفاوض المفتوح والمؤسس من أجل التوصل إلى حلول متفق عليها فيما يهم بالأساس المسألة الدقيقة لنمط التنمية ومسألة توزيع الثروة، دون وضع شروط مسبقة في خصوص طبيعة ونوعية المنظومة التي ستساهم في الحل الوطني خارج أي تقدير موضوعي لموازين القوى وإنما بالأساس من خلال آليات التعامل والتفاوض التي سيتم إرساؤها للتفاعل الوطني في إطارها ضمن صيرورة قابلة للتطور والتطوير حسب الأطراف الفاعلة وأدوارها المتنوعة والمختلفة وحسب درجة الوعي ومدى النجاح في كسب الأنصار للتوجه الجديد المتناسب مع طموحات الشباب وتطلعات الفئات الاجتماعية في الأحياء الشعبية والجهات المحرومة إلى العيش الكريم وتحقيق الذات.

وهو ما يحيل على ضرورة تفكيك مفهوم الشعبوية، الحل الذي فرض نفسه كحل سحري بديل إثر تقهقر الحل العقلاني، يدعي القدرة على تسريع التغيير الثوري الجذري لفائدة «المستضعفين»، رغم بقائه على مستوى عالي من التعميم والغموض والوقوف عند الدعاية والعجز المفضوح على التقدم بأي خطوة نحو ما وضعه لنفسه من أهداف.

والشعبويات، الغير منحصرة على تونس أو على الفترة التاريخية الراهنة، قريبة من بعضها، تظهر عندما تصل أوضاع ما، في مجتمع معين أو منطقة جغرافية أو مرحلة تاريخية، إلى انسداد محكم يمنع أي أفق إنقاذي لأن التجربة السياسية القائمة دخلت في مأزق مسدود، لتقدم حلا مصطنعا، يقفز على التناقضات الحقيقية لتعويضها بتفسيرات بهلوانية تبنى على أساسها حلول لا تساهم إلا في مزيد التعقيد والتأزم. وهكذا تنتعش الشعبوية من عجز القوى العقلانية على تقديم الحلول المطلوبة لأنها لسبب ما ضاعت منها البوصلة وأصبحت غير قادرة على التحكم في المسارات القائمة.

وفي أمر الوضع التونسي بالتخصيص تتعلق الشعبوية - الغير مرتبطة بشخص وإنما تعبر عن خاصية اجتماعية-سياسية قديمة/جديدة أوجدت لنفسها مجالا مفتوحا في قصبة 1 و2 وتمادت على شاكلة ما تم التقديم له في السابق من التقاء حول نفي الوجود لأي اصلاح تونسي عن طريق دولة الاستقلال - فإنها بنيت على التنظير ل»الورقة البيضاء» التي تحدد لنفسها هدف إعادة النظر في مجمل البناء الوطني التونسي، انطلاقا من «الساس»، خاصة من خلال ما يرمز إليه ب»القاعدية».

وككل المناهج الكليانية لا تترك الشعبوية أي واحدة من الأبعاد الأساسية الثلاثة السياسية والمؤسساتية والتنموية تفلت منها، بترشيح نفسها للتحكم فيها كتمشي شمولي لا يخلص أي أمر جوهري م قبضته.

وفي المستوى العقائدي-السياسي تبني الشعبوية نفسها على «النبوغ الاستثنائي» لأطروحاتها، تعتبرها منحصرة لديها دون سواها، بما يشرع لها غلق الأبواب والاقصاء للغير، الذي لا يمثل بالنسبة لها «الاختلاف» وإنما «التناقض»، الغير قابل للتعامل معه إلا ب»نفي وجوده». ومن هنا يأتي الموقف من الأحزاب وكل ما يسمى ب»الوسائط»، بناء عن كون أي فاصل بين الشعبوية والشعب لن يكون تأثيره إلا مفسدا للشعبوية بما يدخله من تشويه على «الأصل».

وفي خصوص الأمر المؤسساتي فهو مجرد «تسخير» للشأن العقائدي-السياسي الشعبوي، بوضع حيز التنفيذ لآليات الاستفراد والانغلاق لحماية «النبوغ الاستثنائي» من محاولات النيل منه و»حرمان الشعب من التنعم بتبعاته».

أما التنموي فهو الجزء «التبشيري» للشعبوية، بما يؤهل به نفسه من قدرة على «الثورة على المنظومات السابقة كلها»، التي لم تؤد إلا إلى «الاستضعاف» و»الاستعباد» و»الاقصاء المقنن من التنمية» و»تنظيم الاحتكار» و»الهيمنة على انتاج الخيرات وتوزيعها»، والوعد بنظام مختلف جذريا، ينتقم للمحرومين من عقود الظلم والاقصاء ويعدهم بجنة العدالة المطلقة.

وبهذه الكيفية تتكامل المنظومة الشعبوية، ليس فقط كآلة دعاية وإنما بالخصوص كأسلوب حكم متكامل، مؤسس على ركائز متناسقة، بما فيه إعلاميا بتنظيم واستنهاض الجحافل الفيسبوكية للتصدي لكل «المناوئين» وتعبئة الاعلام العمومي المحكوم في أمره.

وهكذا يتبين مما سبق استكمال شروط «الأزمة التونسية الشاملة»، خاصة في ظل انقسام وتشتت القوى الاجتماعية والسياسية المطلوب منها التصدي الديمقراطي والشرعي لكل سياسة تضر بمصالح البلاد والعباد باسم النقاوة ومحاربة الفساد، بالإضافة إلى نزعة العزوف التي تجعل الجميع، سلطة ومعارضة، في نفس الوضع من العزلة، بالرغم مما تتمتع به السلطة، كأي سلطة، من شرعية رسمية، نتيجة توظيف إمكانيات الدولة لخدمة دعايتها رغم كونها لم تعد تنطلي على أحد.

وهكذا يتبين أيضا من مجمل ما سبق أن الرهان أصبح مكتمل الشروط، في خصوص أي أمل في حلحلة الوضع القائم، لما يتطلبه من تمشي يكون بدوره مكتمل الشروط، نظرا لكثافة وجسامة التحدي وتعدد ابعاده وما يتطلبه أي مسار إنقاذي من قوة التماسك وصلابة الترابط والمستوى العالي جدا من الطاقة على الاقناع أمام بحار ومحيطات الشك والتشكيك وضياع البوصلات وفشل الكثير من المساعي والمبادرات بما فيه الأكثر جدية منها من منظور سواء حجم المواجهة للمخاطر الجسيمة التي تبعت الثورة أو من جهة استنباط الحلول الخارجة عن المألوف في اتجاه حماية تونس من وقوعها في المآلات التي وللأسف عاشتها ولاتزال سوريا وليبيا واليمن وما تبعها من تحطيم تاريخي لمؤهلات وطنية مرموقة.

صحيح أن في الآونة الأخيرة عرفت تونس تحركات إيجابية شجاعة من أجل التصدي لسياسة مصادرة الحريات والمحاكمات بالجملة وتجميد الحراك السياسي والاجتماعي الضروري لتواصل كل مجتمع حي. وهي مبادرات لا تستحق إلا المساندة والتثمين. وبقطع النظر عما اعتبره البعض من كونها تجاري بعض توجهات إعادة الرسكلة لحركة النهضة أو على الأقل التخفيف من حدة الصورة السلبية الملتصقة بها لكن ما تم الوقوف عليه بالأساس هو أن «التحركات لم تحرك الجوانب الجدية من السواكن» كما هو مطلوب بالنظر للتحديات، لتظل إجمالا كأنها في واد وتونس في واد.

وهوما يدعو - مع الدعم المطلوب لكل ما من شأنه أن يعبر عن عدم الرضى عن الوضع القائم - إلى الوعي بأن تونس في انتظار أمر مغاير، يطرح على نفسه بجدية مسألة الخروج من المأزق وفتح طريق حقيقية لإعادة الربط مع مسارها التاريخي، الذي تعطل لأسباب عدة، بما فيه عدم استغلال الفرصة التي وفرتها الثورة على الوجه المطلوب من أجل قطع خطوات نوعية على طريق النهوض والمناعة.

وأفسد ما يمكن الاعتماد عليه - في أمر بناء تمشي وطني جديد يقطع مع الانسداد المزمن والمدمر - يتمثل في المناداة بالتجاوز والوحدة «في المهموتة» كما يقال بالدارجة التونسية، خارج أي تقييم، يكون الهدف منه ليس جلد الذات أو توزيع التهم بالجملة وإنما العمل بالمبدأ السليم القاضي بوجوب استخلاص الدروس من تجربة ستة عشر سنة حتى لا تقع إعادة السقوط في نفس المطبات.

كما أن تركيبة الشعبوية بثلاثيتها السياسية والمؤسساتية والتنموية لا بد أن يكون الرد عليها على أساس «موازاة الأشكال» أو (parallélisme des formes) كما يعبر عنه بالفرنسية أو «التناسب» بشكل أكثر اختصار، بالارتكاز على رد هو أيضا ثلاثي الأبعاد: تنموي ومؤسساتي وسياسي.

وفي باب التنموي فبالرغم من الاعلان عن مقاومة الفساد من أجل إعادة توزيع الثروة لفائدة المحرومين فإن المحرومين ازدادوا حرمانا والفساد استفحالا. وفي حقيقة الأمر التمشي الشعبوي المدعي أخلاقيا إحلال «النظافة» في المجال الاقتصادي لم يستطع إخفاء نواياه الحقيقية في مناهضة عالم رجال الأعمال، بخلق نوع من الريبة في خصوص كل مبادراتهم، حتى لما يتعلق الأمر بعمليات عادية روتينية تهم التخزين. وحتى تثبت الشعبوية التمشي المحترز من القطاع الخاص ركزت على تكثيف بعث «الشركات الأهلية» كبديل على القطاع الخاص، بنتائج لا فقط محدودة جدا لكن بالخصوص لا علاقة لها برفع تحديات انهيار نسق تطور الإنتاج.

ولم ينجو لا القطاع العام ولا الإدارة التونسية من الاتهام بالتآمر في خصوص إدارة المشاريع وتسيير مؤسسات الخدمات العمومية، مما زاد في تكثيف أجواء الشك والتخوفات في أمر المسار التنموي، زد عليه القطيعة مع صندوق النقد الدولي، المنظمة المالية التي لتونس من خلال ما يربطها بها حقوق وواجبات كعضو كامل الشروط، له مع الصندوق علاقات تفاوض وليس قطيعة، أدت إلى حرمان البلاد من فرص الحصول على موارد مالية ضرورية بشروط ميسرة، انجر عنه التركيز على الاقتراض الداخلي من طرف الدولة لدى البنوك التونسية بما أدى إلى التراجع المشط لفرص تمويل القطاع الخاص الوطني واستثمار العائلات في الحصول على السكن.

ونظرا للمناخ العام من التدهور المفرط لنسق الإنتاج فإن التصور والتسيير التنموي بالطريقة العشوائية التي سبق تقديمها زاد الأمر استفحالا خاصة فيما يهم المالية العمومية وانعكاسات كل ذلك على الأجور والتجهيزات والخدمات العمومية، دون أن تنجر عن التطورات السلبية المتواترة في كيفية التسيير التنموي أي مراجعة من أجل إيقاف النزيف وتفادي مزيد الغرق في أوحال الازمة.

المغرب

شارك هذا المقال: