المدخل: حين تُستبدل السياسة بالطمأنينة
في كل نظام يعجز عن تقديم إنجاز يُقاس، تنشأ حاجة إلى "منجز" آخر لا يُقاس: إنه الشعور. هذا هو جوهر ما يسميه الباحث بن ريتش (Ben Rich) “ابتزاز الهوية” (Identity Racketeering)، وهو نموذج تفسيري يرصد كيف تستبدل السلطة الشرعيةَ الإجرائية والإنجاز التنموي بشرعية مصدرها تهديد وجودي تصنعه هي، ثم تتقدّم لدرء خطره.
تقوم الأطروحة على تقاطع مفهومين:
• ابتزاز الحماية (Protection Racket) عند تشارلز تيلي: السلطة تخلق الخطر أو تُبقيه حيّاً في الوعي العام، ثم تعرض نفسها حاميةً وحيدة منه، مقابل الطاعة.
• الأمن الوجودي (Ontological Security) عند كاتارينا كينفال: حين يشعر الناس أن هويتهم أو نمط وجودهم مهدَّد، يتنازلون عن حقوقهم السياسية طلباً للسكينة النفسية.
أربع محطات تختصر مسار الأطروحة: تحديد هوية “نقية”، اختلاق تهديد وجودي لها، تنصيب السلطة منقذاً وحيداً، ثم قطف الشرعية المطلقة ثمرةً لهذا كله.
وما يعنينا هنا هو قراءة سبع سنوات من حكم قيس سعيد، منذ صعوده سنة 2019، ثم احتكاره الكامل للسلطة في 25 جويلية 2021، عبر هذا المسار، ومساءلة حصيلته حين تصل الأطروحة إلى حدودها الفعلية: مائدة التونسي وحنفية بيته.
أولاً: هوية يعاد تشكيلها على قياس السلطة
لا يعيد سعيد إنتاج الهوية الوطنية بوصفها فضاءً جامعاً، بل يشطرها إلى معسكرين لا ثالث لهما:
• “الشعب الأصيل” في مواجهة “المنظومة الفاسدة”: حلّت “إرادة الشعب” أو "الشعب يريد" الصلبة محل المواطنة الدستورية ومحل المؤسسات، وأصبح “الشعب النقي” ضحيةً دائمة لأحزاب ما بعد 2011 وقضاتها وبرلمانييها.
• سيادة مغلقة على ذاتها: تحوّلت الهوية الوطنية إلى خندق يُواجَه به صندوق النقد الدولي، والمنظمات الحقوقية، وأي تمويل خارجي بل أي صوت خارجي، إذ يُقرأ كل نقد بوصفه اعتداءً على كرامة الأمة لا رأياً في سياسة قابلة للنقاش.
هكذا يسير المسار: إعادة تشكيل الهوية ← صناعة التهديد الوجودي ← تقديم الرئيس حاميّاً ← استخلاص السلطة المطلقة (دستور 2022 والمراسيم). أربع خطوات، كل واحدة منها تمهّد للتي تليها بمنطق لا يحتاج إلى برهان، بل إلى تكرار.
ثانياً: العدوّ الذي لا وجه له
يذهب سعيد أبعد مما رسمه ريتش لـ”العدو الخارجي المحدد”، فيستدعي عدوّاً شبحياً بلا ملامح، وظيفته الوحيدة أن يُفسّر ما يتعذّر تفسيره اقتصادياً:
حين يصبح الصيف امتحاناً للبقاء، لا مجازاً بلاغياً.
في الأحياء التونسية هذا العام، لم تعد “الأزمة” خبراً عابراً في نشرة مسائية، بل صارت جدول مواعيد يومياً مع: انقطاع الماء لساعات في العمق التونسي وحتى في ضواحي العاصمة، جفاف السدود إلى مستويات قياسية جعلت الحكومة تلجأ إلى ترشيد ليلي متكرر للمياه منذ سنوات دون أن يُصارَح المواطن بأن المسألة بنيوية ومناخية بقدر ما هي سوء إدارة. وفي ذروة الحرّ، حين يكون الماء المعبأ حاجة لا رفاهية، يجد التونسي رفوف المحال فارغة من القوارير، أو أسعارها قد التهبت بلا تفسير رسمي مقنع، فتُروى القصة كما تحب السلطة أن تُروى: “غرف سوداء” و”محتكرون” يتآمرون على تجويع الشعب، لا شبكة توزيع مياه تتهالك منذ عقود ولا استثمار مؤجَّل في تحلية المياه ومعالجة التسرّبات.
وحين تنقطع الكهرباء في موجات الحرّ لأن الاستهلاك تجاوز طاقة الشبكة، يُقدَّم الانقطاع بوصفه استهدافاً لا عجزاً طاقيا وهيكلياً في التخطيط والتمويل. هذا هو جوهر “ابتزاز الهوية” مطبّقاً حرفياً: الأزمة المعيشية اليومية، الماء، الكهرباء، الخبز، الدواء ، تُعاد صياغتها مؤامرةً تستوجب الالتفاف حول القائد، لا سياسةً عمومية تستوجب المساءلة.
• الخطر الديمغرافي المستورد: تحوّل ملف الهجرة غير النظامية من جنوب الصحراء إلى ذروة الأطروحة، حين قُدّم بوصفه مخططاً “لتغيير التركيبة الديمغرافية واستعمار تونس فكرياً”، فتحوّلت أزمة جيوسياسية معقدة إلى تهديد وجودي يستدعي الالتفاف حول القيادة لا التفاوض والتنسيق الإقليمي.
• شيطنة المعارضة والقضاء: أُدرج الخصوم السياسيون والقضاة المستقلون والصحفيون في خانة “الخيانة العظمى والتآمر على الوطن ”، فأُغلق باب الحوار السياسي، وصار النقد نفسه دليل تآمر لا حقاً مكفولاً.
ثالثاً: الحصيلة حين تُقاس لا حين تُروى
سبع سنوات من التفرّد الكامل بالسلطة، منذ المرسوم 117 ثم دستور 2022، كانت كافية لاختبار المشروع بلا أعذار مؤسسية. والفجوة بين الخطاب الوعظي والإنشائي والواقع الميداني الصعب فجوة لا تُخطئها القراءة: فالدين العام الذي كان يبلغ نحو 78% من الناتج المحلي قبل الاحتكار السياسي، تجاوز اليوم 80% مع شحّ حاد في التمويل الخارجي؛ والنمو الاقتصادي الذي كان يعاني ركوداً ما بعد كوفيد، انزلق إلى انكماش وتباطؤ دون 1%، وسط تعثر متكرر لمفاوضات صندوق النقد الدولي؛ أما التضخم والبطالة اللذان كانا مرتفعين أصلاً (بطالة نحو 15%)، فقد تفاقما إلى حدّ صار معه تضخم الأسعار مصحوباً ببطالة بين الشباب وحملة الشهادات تتجاوز 38%. وفي الخدمات الأساسية، تحوّلت الأزمات القطاعية المتفرقة التي كانت تُسجَّل قبل 2021 إلى انقطاعات هيكلية متكررة للماء والكهرباء، وشحّ دوري في المواد الغذائية والدواء يعاود الظهور مع كل ذروة استهلاك موسمية.
وثمة مؤشر لا يقل دلالة عن الأرقام الاقتصادية، لأنه يقاس بالأجساد لا بالنسب المئوية: تصاعد نسق المغادرين للوطن. فمن جهة، تتكرر مآسي “الحرقة” عبر قوارب الموت المنطلقة من السواحل التونسية نحو إيطاليا، وقد باتت مشاهد الغرقى وجثث الشباب مشهداً موسمياً متكرراً لا خبراً استثنائياً — وآخر فصولها فاجعة بنقردان، حيث فقد خمسة عشر شاباً من أبناء الجهة حياتهم في قوارب الموت، لا بحثاً عن مغامرة، بل هرباً من انعدام أي أفق وانتشار البطالة في منطقة حدودية أنهكها التهميش وغياب أي مورد لسنوات. وهي مفارقة قاسية حين يكون الخطاب الرسمي نفسه يصف الهجرة الوافدة من جنوب الصحراء بـ”التهديد الوجودي”، بينما يعجز عن إيقاف نزيف هجرة أبناء الوطن الفارّين من واقعه. ومن جهة أخرى، تتسارع “هجرة الأدمغة” والخلاص الفردي بصمت أقل مأساوية، لكن بأثر لا يقل خطورة فالأطباء والمهندسون وأصحاب الكفاءات، أي من يملكون القدرة على الرحيل، يختارونه فرادى، تاركين خلفهم فراغاً مهنياً يتراكم عاماً بعد عام. كلا المسارين، هجرة اليأس عبر البحر، وهجرة الكفاءة عبر المطار ، يرويان القصة ذاتها بلغتين مختلفتين: تصويت بالأقدام على فشل مشروع وعد بالإنقاذ فلم يقدّم غير الخوف.
على المستوى المؤسسي، لم يكن الحصاد أقل قسوة: حُلّ المجلس الأعلى للقضاء، وجرى تدجين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وأُفرغ البرلمان من أي دور رقابي فعلي ليصبح هيئة استشارية شكلية، إعادة إنتاج للحكم الفردي المطلق بواجهة انتخابية. أما على صعيد الحقوق، فقمعُ حرية التعبير بالمرسوم 54، وسجن العشرات من السياسيين والحقوقيين والصحفيين بتهم “التآمر”، وامتلاء السجون بالمعارضين، كلها مؤشرات لا تحتاج إلى تأويل.
رابعاً: حين يصل الابتزاز إلى حدوده
التجارب التي نجح فيها هذا النموذج تاريخياً جمعت دائماً بين “الأمان العقدي/الهوياتي” و”الرفاه الريعي” المموَّل من موارد فعلية.
الجارة الجزائر نموذج مغاربي مباشر للمقارنة: خطاب سيادي مماثل: الشعب مقابل “حزب فرنسا”، الاستقلال الاقتصادي مقابل الإملاءات الخارجية، لكنه مسنود بريع المحروقات (الغاز والنفط) الذي يُترجَم دعماً ومواد أساسية مدعومة وقدرة فعلية على تأجيل الانفجار الاجتماعي. وفنزويلا في عهد تشافيز قدّمت النسخة الأبعد جغرافياً من الأطروحة ذاتها: خطاب “الشعب الأصيل” في مواجهة “الإمبريالية والنخبة العميلة”، ممزوج بريع نفطي ضخم موّل برامج اجتماعية واسعة أطالت عمر الشرعية الهوياتية سنوات قبل أن ينهار الريع نفسه مع تدهور أسعار النفط، فينكشف الخطاب عارياً من مضمونه الاقتصادي، وهو ما يشير إلى أن حتى الريع لا يمنح “ابتزاز الهوية” مناعة دائمة، بل يؤجل فقط لحظة المواجهة مع الواقع.
أما في تونس، فـ”الابتزاز الهوياتي الشعبوي” لدى قيس سعيد عارٍ من هذا السند منذ البداية؛ إذ لا ريع يوازيه ولا موارد تسند الخطاب حين يصطدم بواقع يومي لا يرحم.
وهنا تكمن المفارقة الحاسمة: الخوف من “العدو المتخيل” يمنح مهلة، ويحشد قاعدة شعبوية مؤقتة، لكنه يفقد فعاليته في اللحظة التي تصل فيها الأزمة إلى سلة غذاء المواطن، إلى حنفية بيته الصامتة، إلى الكهرباء المتقطع ، إلى قارورة الماء التي لم يعد يجدها على الرف في عزّ الحر. عندها لا يعود “ابتزاز الهوية” أداة لبناء الشرعية، بل يتحوّل إلى مرآة تكشف عجز من يرويه.
الخاتمة:
يمثّل نموذج قيس سعيد حالة دراسية في “الشعبوية التآمرية في السلطة” (Conspiracist Populism in Power): سلطة تستهلك مخزون الخوف من السياسة بدل أن تبني مخزون الثقة في السياسة، إلى أن ينفد الأول قبل أن يُبنى الثاني.
#مكي_هلال

