هل يمتلك قيس سعيد شروط الاستمرار
مقالات راي 24 أوت 2026

هل يمتلك قيس سعيد شروط الاستمرار

بقلم: ameurayed

لنفهم احتمالات تطوّر الأوضاع في تونس.. لا بأس من التذكير ببعض ما أعتبره "حقائق" صنعت المشهد التونسي الحالي: حكم شعبوي "هلامي"، وليس حكما فرديا كما يراد له أن يُفهم! حقائق يتمّ تجاهلها من الجميع في حمأة التجاذب بين ضحايا الانقلاب حول مسائل ثانوية جدا.. من قبيل من أخطأ ومن الذي عليه أن يعتذر من الآخر!

من "صنّع" الظروف التي أنتجت سعيد.. ثم الانقلاب؟

وما هي طبيعة نظام الحكم الحالي؟

في كولومبيا، تم إسقاط حكم اليسار لصالح أقصى اليمين الشعبوي.. بتدخل إسرائيلي مباشر في خوارزميات العملية الانتخابية. أثبت ذلك فريق الرئيس اليساري غوستافو بيترو بالأدلة. لم تتدخل الولايات المتحدة.. بل إسرائيل!

والحديث عن استعمال ال"بيغ داتا"، أي البيانات الضخمة، من طرف "شركات التصنيع السياسي" لم يعد أمرا خافيا.. لكننا هنا نعتبره تفكيرا مؤامراتيا لا دليل عليه! والحقيقة أن التدليل عليه أمر لا معنى له في سياق القصف الإعلامي الذكي الذي تمارسه تلك الشركات لطمس كل آثار جرائمها والسخرية ممن يحاول الاعتراض على هذا "الاستعمار الجديد" الذي يدار تكنولوجيّا!

دون الدخول في التفاصيل، انتخابات 2019 في تونس كانت من تصميم هذه الشركات! ومن البديهي التذكير بأن هذه الشركات تستعمل ما يتوفّر فعليا من معطيات وفاعلين ولا تصنعهم من عدم! ولكنها تقوم بتهيئة بيئة كاملة يصير فيها الناخب موجَّها كليّا.. ويصبح الصوت الانتخابي استجابة آلية لخيارات تم تصميمها حسابيا لتعطي نتيجة حتمية بنسبة كبيرة!

ما حدث بعد انتخابات 19، من برلمان ممنوع من العمل وحكومات ممنوعة من الإنجاز ومناورات تشكيل حكومات وإسقاطها أوهمت أصحابها بأنهم يديرون عملية سياسية معقدة وذكية! كلها تداعيات آلية لمشهد تم تصميم حدوده واتجاهاته الكبرى..!

لذلك.. "طبيعة الحكم الحالي" يجب أن تتحدد على ضوء جذوره التكوينية. نحن لسنا إزاء دكتاتورية "حكم فردي"! فالفرد الذي على رأس الدولة "دستوريا" لا يتوفر على شروط "الدكترة"! ولا إزاء "حكم أقلية وطدية" مزروعة في مفاصل الدولة! فالوطد أصغر من ذلك بكثير! ولا إزاء "حكم عائلي" غنائمي، فحكم العائلات يحتاج زمنا ليمسك شبكة الاقتصاد والقرار السياسي! ولا إزاء "حكم الإدارة"، فالإدارة لا عقل سياسيا لها، وهي تحتاج عقلا "خلفيا" يحرّكها!

نحن إزاء "حكم الغموض المبرمج"!

هل يمتلك هذا النوع من الحكم شروط الاستمرار؟

نعم.. جدا.

رغم أنه يفتقد القدرة على حلّ مشكلات الواقع حتى البسيطة منها، ورغم أنه نظام من دون مؤسسات (رئيس من دون ديوان ولا مستشارين ولا ناطق إعلامي.. أي لا مؤسسة رئاسة بل شخص رئيس فقط، لا برلمان ولا حكومة ولا حزب...)، ورغم أنه من دون أنصار حقيقيين في الواقع (لا يعني ذلك أن المعارضة تمتلك أغلبية في الشارع! بل معنى ذلك أن النظام خرّب فكرة السياسة.. معه أو ضده!)...،

رغم كل ذلك.. هو نظام يمتلك كثيرا من شروط الاستمرار.

أهمها.. أن الجهات التي صنعت ظروف نشأته، تتحكم في صناعة بدائله..!

هل معنى ذلك أننا إزاء حتمية سياسية/تكنولوجية لا رادّ لها ؟

أؤمن أن.. لا.

لكن شروط مواجهة هذا النوع من الاستعمار الجديد يحتاج عقولا جبارة!

شارك هذا المقال: