في ظل الغموض الذي يكتنف مصير الصراع الأميركي الإيراني، ومع سقوط كل الاتفاقات والتفاهمات التي أدّت إلى وقف مرحلي لإطلاق النار، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليلوح بحرب من نوع آخر، هي حرب الاقتصاد، والتي يرى ترامب أنها ستؤلم إيران أكثر من الضربات العسكرية. ولا شك أن ترامب محقّ بذلك، خصوصاً أنه اختبر هذه الحرب ضد إيران في ولايته الأولى، وكانت تحقق له أهدافاً لم يحقق ربعها خلال حملته العسكرية التي أطلقها نهاية فبراير/ شباط الماضي.
خلال ولاية ترامب الأولى، وبعد انسحاب إدارته من الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد سلفه باراك أوباما، شن ترامب أعنف حرب اقتصادية على إيران بغرض إجبار الجمهورية الإسلامية على توقيع اتفاق أفضل، من وجهة نظره، يتضمن الترسانة الصاروخية الإيرانية والأذرع العسكرية الإيرانية المنتشرة في المنطقة.
الحرب في ذلك الحين، والتي كانت في عهد الرئيس الإصلاحي حسن روحاني، آتت أكلها، وأحدثت تأثيرات كبيرة في الاقتصاد الإيراني، إذ تراجع تصدير النفط الإيراني من نحو 2.5 مليون برميل يومياً في 2015 إلى 400 ألف برميل يومياً في 2020. ومعه تراجع الناتج المحلي 45% وارتفع التضخم بشكل غير مسبوق. وما فاقم من تأثيرات العقوبات حينها تزامنها مع جائحة كورونا التي ضربت الاقتصاد العالمي، ومنه الاقتصاد الإيراني.
ومع الأيام الأخيرة لولاية ترامب، وقبل ظهور نتائج الانتخابات الأميركية، كانت كل التقديرات تفيد بأن نيل ترامب ولاية ثانية سيكون ضربة قاصمة لطهران التي لن يكون باستطاعتها التحايل على العقوبات أو فتح قنوات من شأنها خلق متنفس للاقتصاد الإيراني. وكانت تأثيرات تلك العقوبات بدأت فعلياً بالظهور على أذرع إيران العسكرية، ولا سيما لدى حزب الله اللبناني، والذي تقلص التمويل الإيراني له إلى درجة دفعته إلى تخفيض رواتب منتسبيه، وهو ما كان متزامناً مع الأزمة الاقتصادية الكبرى في لبنان وانهيار العملة المحلية في 2019. غير أن نتائج الانتخابات الأميركية، في ذاك الوقت، جاءت لمصلحة إيران مع خسارة ترامب معركة الولاية الثانية ووصول الديمقراطي جو بايدن إلى سدة الرئاسة الأميركية. ورغم أن بايدن لم يلغ العقوبات التي فرضها ترامب على إيران، فإنه كان أقل تشدداً في تنفيذها، مدفوعاً بمحاولة إحياء الاتفاق النووي الذي أبرم في عهد أوباما عام 2015، الأمر الذي استغلته إيران على أكمل وجه لتعيد ترميم اقتصادها بالحد الأدنى وتقوية أذرعها العسكرية.
فشلت كل محاولات بايدن لإحياء الاتفاق النووي، مع إصرار إيران على الحصول على ضمانات بعدم تكرار الانسحاب الأميركي من الاتفاق في عهد ترامب الأول. غير أن إدارة بايدن لم يكن بإمكانها تقديم مثل هذه الضمانة، إضافة إلى رغبتها في توسيع نطاق الاتفاق ليشمل الترسانة الصاروخية الإيرانية، وهو ما كانت ترفضه طهران.
انقضت السنوات الأربع لجو بايدن من دون تحقيق الهدف الذي أراده، ليعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. كانت التوقعات أن يستأنف معركته الاقتصادية مع إيران، وينطلق من حيث توقف. إلا أنه اختار هذه المرة مساراً آخر، اتضح أن له تداعيات كارثية، ليس على إيران فحسب، بل على العالم بأسره. اختار إطلاق عدوان عسكري شامل على إيران، تضمّن اغتيالات استهدفت كبار القادة الإيرانيين، غير أنه لم يستطع تحقيق أي من الأهداف التي وضعها لحربه، بل أدخل العالم في أزمة لا يعلم متى يمكن الخروج منه، خصوصاً مع استمرار تحكّم إيران بمضيق هرمز.
اليوم، وبعد يأسه من إمكان تحقيق أي إنجاز بالقوة العسكرية، فضّل ترامب العودة إلى الحرب الاقتصادية، لكن بعد فوات الأوان. إيران ما بعد الحرب ليست كما قبلها، فإضافة إلى تشعب قدرتها على التحايل على العقوبات، لم تعد تتوانى عن اللجوء إلى الخيار العسكري لإيلام من يتسبب في إيلامها، مع إدراكها أن سقف الردود الأميركية على ذلك بات محدوداً.
السؤال اليوم، هل كان هذا العدوان ضرورياً في المقام الأول، ولماذا لم يستأنف ترامب الحرب الاقتصادية للضغط على طهران، بدل الدخول في حرب تستنزف الولايات المتحدة والعالم؟
العربي الجديد

