من يحكم تونس ؟؟
مقالات راي 30 أوت 2026

من يحكم تونس ؟؟

بقلم: ameurayed

الشعب التونسي لم يُسقط بن علي. أسقط بن علي من لا يريد أن يُسقط الشعب بن علي. في النهاية أسقط بن على من قبل ذات يوم أن يحكم بن علي. نفس الأمر كان آخر أيّام بورقيبة. الشعب التونسي لم يُسقط بورقيبة. يعني دائما ثمّة طرف ثالث. الطرف الثالث لا هو صاحب حرص خاصّ على الشعب ولا يأتمر بأوامر من يحكم. لمّا أشارك بالتدوين في الإهتمام بالشأن العام لا أفكّر كثيرا في الحاكم وفي الشعب المحكوم لأنّني لا أرى الأمور يحسمها عند الأزمات الكبرى الحاكم والمحكوم. قد يكون زمن يكون المرء فيها بين حاكم ومحكوم وهذا أصبح من النّادر. خذ مثلا فرنسا، هل العلاقة فيها بين شعب فرنسي وبين ماكرون؟ لا فأين نضع روتشيلد وجناح فرنسا الإبستيني؟ تفكيري في الطرف الثالث وهو تفكير لم يبدأ اليوم لأنّني بحكم السنّ صاحب تجربة. كنت أدرّس في المعاهد الثانوية الفترة التي ذهب فيها بورقيبة وجاء بن علي، فترة صناعة الغمّة بالإسلاميين وفترة قدوم المنقذ الهمام. الطّرف الثالث، في تونس وغير تونس، إشكالي. بمرّات ومن زاوية نظر هو ينفع لأنّه يتدخّل قبل الإنفجار الكبير ويسمح باستمرار الكيان الجمعي الذي نسمّية دولة أو سلطة. من ناحية أخرى قد يضرّ لأنّه يمنح لنفسه أو أنّ الظروف تمنحه صفة المُنقذ. بعد حين يقدّ من الصفة شرعيّة يطغى بها. في الدّول الحديثة العهد بتجربة الدولة والتي يكون الحكم فيها أقرب إلى السّلطة ليس أنفع لمن يحكم من مشروعية المُنقذ. إنقاذ من الاحتلال، من التخلف، من المجاعة من من من كله جيّد وينفع. مرّات يكون انتظار منقذ بمواصفات فيكون بمواصفات أخرى. مثال ذلك ما كان بعض الإسلاميين يتهامسون به قبل 7 نوفمبر من خلاص قادم. كانوا يقصدون أنّ المجموعة الأمنية ستتحرّك. كانت ستفعل ولكنّ بن علي سبق. كان الخلاص به وما كان ذلك هو الخلاص الذي انتظره الإسلاميون وغيرهم. هنا في هذا المثال أطراف ثلاثة: بورقيبة والإسلاميون وكانوا في صراع فطرف ثالث في شخص بن علي وطرف رابع كان على علم بما كان الإسلاميون يجهّزون له وهو الذي أشّر لبن علي الذي حيّد البورقيبيين والإسلاميين. الغريب أنّه بالتحليل قد نخلُص إلى القول أنّ الصراع بين الإسلاميين والبورقيبيين كان مفتعلا وكان القصد منه التحضير لحكم بن علي. هل حضّر بن علي ذلك؟ لا. حضّر له الطّرف الرابع. الطرف الرّابع هو الأخطر دائما وعربيّا، في تونس وغير تونس، هو أجنبيّ وأساسا صهيونيّ. فرض الصهاينة على الغربيين منذ البدايات اعتبار المنطقة العربية بكلّيتها مجالا حيويا للإسرائيليين وفرضوا عليهم التنسيق معهم أولويّا في كلّ أمر المنطقة. هناك من العرب من صار متجاوزا للغربيين منسّقا رأسا مع الصهاينة مثل الإمارات والمغرب. ماذا عن الآن؟ في المشهد أزمة كبرى وخانقة وهي اجتماعية بالأساس ولم تجرّب تونس مثلها على الأقلّ منذ أربعين عاما. لست مُحترف سياسة لي ليقال عنّي أنّني أبالغ الوصف أو أنّني أستثمر في الأزمة خصوصا وأنا أحذّر منها منذ أشهر بعيد بل منذ سنتين على الأقلّ. مقابل الأزمة رئيس دولة زادت وعوده عن سابقيه حتّى أنًه اقترح حلولا للعالم بأسره لا لتونس وكفى. الدولة التي يرأسها ظهرت حدودها وبلغت الإنكشاف سوء إدارة وتخبّط وغياب تواصل. بالنسبة لي وبالمقارنة هذه الدولة برئيسها ونحن معها نبلغ مفترقا. ممكنان لهذا المفترق: تسلمُ الجرّة أو لا تسلم. لست غبيّا لكي أتمنّى أن تتكسّر الجرّة فليست الجرّة رئيسا ووزراء. نحن الجرّة أيضا. أتمنّى أن تسلم الجرّة ولكنّني لا أراها تسلمُ صراحة. حتّى عندما يكون للجرّة حماة فإنّ الحماة إذا تيقًنوا أنّ الجرّة لا أمل لها يتركونها وحالها. لا يريدون كسرا يطالهم. الغريب في تجربة قيس سعيّد أنّه هو، لا المُتآمرين عليه، من سرّع السير نحو المُفترق أو نحو المُنعطف. ممكن استُفزّ في مواقف بعينها وهو المزاجي فذهب في ردود الأفعال إلى حدّ أضرّ به ويضرّ. من يعارضك ليس متآمراً بالضرورة وصورتك تحتاج معارضين. بن على صنع بفترة وبنفسه معارضين صوريين له ليمنع عن نفسه الخنق والإختناق. إذا كان من تآمر فالمحاكمة العادلة لها بروتوكول ومن مصلحتك قبل المُتآمر أن تحترمه. خلال 3 سنوات تقريبا خطوات متتالية صعب ايجاد منطق لها، خطوات تخصّ الوضع القانوني الدستوري وأخرى تخصّ الحياة السياسية والمدنية وخاتمة خطوات مسّت المجتمع بعمق. غريب أنّنا في قلب أزمة طاقة من دون وزير طاقة وغريب أنًنا من دون مجالس بلدية وألف حاجة وحاجة غريبة. أتصوّر أنّ من يكون قريبا من الإدارة العميقة للبلاد يرى عجائب وغرائب أكثر بكثير ممّا أشرت له. مع كلّ هذا لا أستبشر كثيرا بمرحلة ما بعد قيس سعيّد. تعلًمت أن أحذر الطّرف الثالث وأحذر أكثر الطرف الرابع. أنا أخذرهما ولكنّ قيس سعيّد يسّر لهما المهمّة بما لا يخطر على بال أحد. أفهم جيدا التفكيك بالمؤامرة وأفهم أكثر من الذين يفصّلون فيها تفصيلا ضعيفا. ماذا لو قلت للإسلاميين أنّهم سنة 1987 تآمروا على أنفسهم وأنّهم أعادوا التآمر على أنفسهم بعد الثورة؟ طبعا سينظرون في نواياهم ويرفضون قولي. سيرفضون لأنّهم يتمثّلون صنفا بدائيا جدّا من المُؤامرة تجاوزه الذين يتآمرون اليوم بل يحكمون العالم بشبكة مؤامرات. قد أكون من المتحمّسين لقيس سعيّد ومن المتوجّسين مُطلقا من كلّ من قد يحلّ محلّه. هذا حساب وحساب وضع كالذي نحن فيه والمآلات التي يحتملها حساب آخر. الطبيب يأسف لكلّ مريض يُنهكه الداء. مع ذلك هو الذي يكتب شهادة الوفاة.

منصر الهذلي

شارك هذا المقال: