كان الوقود الأحفوري محركاً للاقتصاد الحديث؛ به دارت المصانع، وتحركت وسائل النقل، واتسعت حركة الإنتاج والتجارة والصناعة.
لكنه، رغم دوره التاريخي، لم يعد كافياً وحده لمواجهة تحديات العصر. وعلى نحو مشابه، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل أصبحت الانتخابات، التي شكّلت لعقود محركاً أساسياً للديمقراطية الحديثة، عاجزة وحدها عن إدارة مجتمعات تتزايد فيها الانقسامات الاجتماعية والثقافية، وتتسع فيها الفجوة بين المواطنين والمؤسسات السياسية؟
الانتخابات ليست صنوًا للديمقراطية:
ليست المسألة دعوة إلى إلغاء الانتخابات، ولا إنكاراً لدورها في تداول السلطة ومحاسبة الحكومات، بل مساءلة للتفكير بأن صندوق الاقتراع وحده ليس كافياً لضمان ديمقراطية فاعلة.
فالانتخابات تمنح الفائز تفويضاً سياسياً، لكنها لا تضمن بالضرورة جودة القرارات، ولا عدالة تمثيل المصالح، ولا قدرة المؤسسات على احتواء الغضب الاجتماعي.
وقد تنتهي المنافسة الانتخابية بفوز طرف، بينما تبقى الانقسامات التي غذّتها الحملات السياسية قائمة في المجتمع.
هذه الإشكالية ناقشها المؤرخ والكاتب البلجيكي ديفيد فان ريبروك، المتخصص في علم الآثار، في كتابه «ضد الانتخابات»، الذي يدعو فيه إلى إعادة التفكير في الاعتماد شبه الكامل على الاقتراع بوصفه الأداة الأساسية للممارسة الديمقراطية، وتوسيع مشاركة المواطنين في مناقشة السياسات العامة وصنع القرار.
فالمواطن لا ينبغي أن يقتصر دوره على اختيار ممثلين كل بضع سنوات، بل يمكن أن يشارك بصورة أعمق في مناقشة القضايا المعقدة وتقييم الخيارات المتاحة، بعيداً عن ضغوط الحملات الانتخابية والاستقطاب الحزبي.
من صندوق الاقتراع إلى مشاركة المواطنين
من النماذج التي تعكس هذا التوجه تجربة «G1000» في بلجيكا عام 2011، وهي مبادرة للمداولات الديمقراطية أتاحت لمواطنين من خلفيات مختلفة مناقشة قضايا عامة، من بينها الضمان الاجتماعي وتوزيع الثروة والهجرة.
لم تكن الفكرة استبدال المؤسسات المنتخبة، بل استكشاف وسيلة مكملة تمنح المواطنين فرصة للحوار والتفكير الجماعي، وتختبر إمكانات توسيع المشاركة السياسية خارج المنافسة الحزبية التقليدية.
وهذه الفكرة أصبحت تُقدَّم عبر أخذ آراء ومقترحات وأفكار المجتمع في قضاياهم بعيداً عن البرلمان في بعض الدول.
وتطرح هذه التجربة سؤالاً مهماً: هل يمكن تطوير الديمقراطية بحيث لا يقتصر دور المواطن على التصويت، بل يمتد إلى مناقشة السياسات التي تؤثر في حياته، وتقديم التوصيات بشأنها، ومتابعة تنفيذها؟ فالمشاركة الأوسع قد تساعد على تقريب المسافة بين المجتمع وصنّاع القرار، لكنها تظل بحاجة إلى مؤسسات قانونية وأطر وقنوات واضحة للتواصل والمساءلة.
تقييد الحريات من أجل الديمقراطية:
على غرار فكرة ديفيد فان ريبروك، أليس هناك حاجة في أوروبا الغربية إلى تقييد الحريات وضبطها؟
تقدم الاحتجاجات في أوروبا الغربية، مهد الديمقراطية، مثالاً على التحديات التي تواجه الديمقراطيات في إدارة المطالب الاجتماعية والسياسية المتعارضة.
لقد شهدت فرنسا في أكتوبر 2026 احتجاجات على أوضاع التعليم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، واتسعت المشاركة في بعض المدن وسط وقوع اشتباكات وأعمال تخريب.
وأعادت الأحداث طرح التساؤل حول قدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على النظام العام دون المساس بحق التظاهر السلمي، كما طرحت حاجة ملحة لدراسة وفهم الأجيال لكونها مظاهرة غلب عليها حضور الطلاب.
أما في بريطانيا، فكانت الاحتجاجات مرتبطة بقضايا الهجرة والهوية الوطنية وتكاليف المعيشة، وتخللت بعضها مواجهات واعتقالات.
وأبرزت هذه التحركات التوتر بين حرية التعبير والتظاهر من جهة، ومواجهة التحريض والعنف وحماية التماسك الاجتماعي من جهة أخرى.
بينما شهدت ألمانيا تحركات احتجاجية حول سياسات الحكومة وقضايا الهجرة والظروف الاقتصادية، إلى جانب احتجاجات نقابية واجتماعية.
وعكست هذه التحركات صعوبة التوفيق بين اختلاف التوجهات السياسية والثقافية وبين الحفاظ على الثقة بالمؤسسات والاستقرار الاجتماعي.
التعددية الثقافية واختبار المواطنة المشتركة
إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية، تواجه الديمقراطيات الأوروبية سؤالاً آخر يتعلق بإدارة التعددية الثقافية. فالمجتمعات التي تضم خلفيات دينية وثقافية ولغوية متعددة تحتاج إلى صيغة واضحة تضمن العدالة والمساواة أمام القانون وثقافة البلد الأساسية، وتحمي حرية الاعتقاد والتعبير، وتتيح الاندماج في الحياة العامة من دون مطالبة الأفراد بالتخلي عن هوياتهم الخاصة، بل بإعادة أولوياتها وتقاطعها مع الثقافة الأساسية ومصلحة البلاد.
حقيقةً، دائماً ما تمثل التعددية موضع توتر حين تتداخل قضايا الهوية مع التفاوت الاقتصادي، أو الشعور بالتمييز، أو ضعف فرص التعليم والعمل والسكن، أو الخلاف حول حدود العلمانية والرموز الدينية. وقد تستثمر بعض القوى السياسية هذه المخاوف في الحملات الانتخابية، فتتحول قضايا الاندماج إلى أدوات للاستقطاب بدلاً من أن تكون موضوعاً للنقاش العام وصياغة السياسات.
بين حرية التظاهر وحماية النظام العام
اليوم، تعكس التطورات حاجة ملحة في أوروبا الغربية إلى تقييد الحريات بصورة ودرجة معينة، تلك الدرجة التي من خلالها يتم الحفاظ على الديمقراطية، المرتبطة بتعريفها الشهير «حكم الشعب بواسطة الشعب ومن أجل أمن ومصلحة ونماء الشعب».
قطعاً، حرية التظاهر حق أساسي، لكنها لا تمنح أحداً الحق في الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات أو تعطيل حقوق الآخرين بالقوة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول أعمال العنف التي يرتكبها بعض المشاركين إلى مبرر لمعاقبة المحتجين السلميين أو إغلاق المجال العام.
فالديمقراطية ليست صندوقاً يُلقى فيه الصوت، ولا شارعاً يُقاس فيه النفوذ بحجم الحشود؛ إنها منظومة تجمع بين الانتخابات والمساءلة والحوار وسيادة القانون واحترام الحقوق وتحقق الأمن والتقدم.
قد تبقى الانتخابات المحرك الأساسي للديمقراطية، لكنها لا ينبغي أن تكون محركها الوحيد. فالسؤال ليس كيف نطفئ محرك الحرية، بل كيف نمنع تحوّل الوقود الذي يمنح الديمقراطية حركتها إلى شرارة تشعل انقسامات المجتمع من الداخل.
العين

