منذ الاستقلال، عانت بن قردان من التهميش، وبقيت في نظر الدولة لسنوات طويلة مجرد منطقة حدودية تعيش على التجارة مع ليبيا، وغالبًا ما كان يُنظر إلى اقتصادها من زاوية التجارة الموازية فقط، بدل النظر إليها كجزء أساسي من النسيج الاقتصادي والاجتماعي والوطني لتونس. لكن أحداث مارس 2016 جاءت لتذكّر تونس كلها بأن بن قردان ليست مجرد منطقة حدودية، وليست مجرد مدينة تعيش على التجارة؛ إنها جزء مهم من هذا الوطن، مدينة دافعت عن وحدته وسيادته، ووقف أبناؤها إلى جانب قوات الأمن والجيش في مواجهة الإرهاب عندما كان الخطر يهدد تونس بأكملها. كان من المفترض أن تكون تلك اللحظة التاريخية نقطة تحوّل حقيقية في علاقة الدولة بهذه المنطقة، وأن تكون بداية لمرحلة جديدة من التنمية والاستثمار والإنصاف. لكن الرد، للأسف، كان مزيدًا من التهميش، ومزيدًا من التضييق على مصادر الرزق، ومزيدًا من دفع شبابها نحو اليأس والبحث عن مستقبل خارج حدود الوطن.
اليوم، ونحن نعيش فاجعة فقدان العشرات من أبناء بن قردان في محاولة للهجرة غير النظامية، لا يمكن أن نكتفي بالحزن على الضحايا أو بتحميل المسؤولية لشباب اختاروا البحر هربًا من واقع لم يعد يحتمل. هذه الفاجعة يجب أن تدفعنا إلى طرح السؤال الأكبر: كيف تحولت بن قردان من مدينة وقفت في الصف الأول للدفاع عن تونس إلى منطقة تعاني اليوم من التهميش واليأس، حتى أصبح البحر بالنسبة إلى بعض أبنائها طريقًا للخلاص؟
لننسَ للحظة كل الأرقام والشعارات، ولنتذكر يوم 7 مارس 2016.
في ذلك اليوم، حاولت مجموعات إرهابية السيطرة على بن قردان وإقامة موطئ قدم لتنظيم داعش في الجنوب التونسي. لكن أبناء المدينة لم يختاروا الصمت. التحم الأهالي بالقوات الأمنية والعسكرية، ووقفوا صفًا واحدًا في مواجهة الإرهاب، في واحدة من أهم المحطات في تاريخ تونس الحديث. وقد سقط خلال تلك المواجهات شهداء من الأمن والجيش والمدنيين، بينما أُحبطت محاولة الإرهابيين السيطرة على المدينة.
كانت بن قردان يومها خط الدفاع الأول عن تونس.
وكان من المفترض، بعد تلك الملحمة، أن تتحول هذه المنطقة الحدودية إلى نموذج وطني في التنمية والأمن والاستثمار. كان من المفترض أن تقول الدولة لأهالي بن قردان: لقد دافعتم عن تونس، وتونس لن تنساكم.
كان من المفترض أن تصبح بن قردان بوابة اقتصادية حقيقية نحو ليبيا وإفريقيا، وأن تُشجع فيها الاستثمارات، وتُخلق فيها فرص العمل، وتُدعم المؤسسات والمشاريع للشباب، وأن تتحول حدودها إلى فرصة اقتصادية بدل أن تكون عبئًا عليها.
لكن ماذا حدث؟
حدث العكس تقريبًا.
سنوات من اضطراب المعابر والحدود، وتراجع النشاط التجاري، وتضييق الخناق على التجارة الحدودية التي كانت مورد رزق أساسيًا لعدد كبير من العائلات، دون أن تُوفر في المقابل بدائل اقتصادية حقيقية بالقدر الكافي.
وعندما تغلق أمام شاب كل أبواب الرزق، ثم يرى أمامه البحر، لا يمكن أن نتساءل فقط: لماذا حاول الهجرة؟
علينا أيضًا أن نسأل: ماذا فعلنا حتى أصبح الرحيل بالنسبة إليه خيارًا؟
إن مأساة أبناء بن قردان في البحر ليست حادثًا معزولًا. إنها جرس إنذار.
فالتهميش لا ينتج فقط البطالة والفقر واليأس؛ التهميش، عندما يطول، يمكن أن يتحول أيضًا إلى خطر أمني. المدينة التي أثبت أهلها سنة 2016 أنهم حصن من حصون تونس في مواجهة الإرهاب، لا يجوز أن تُترك اليوم فريسة للإحباط وفقدان الأمل.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
كيف انتقلت بن قردان من الصف الأول في الحرب على الإرهاب إلى الصف الأول في التهميش؟
إن محاربة الإرهاب لا تكون فقط بالسلاح والحواجز الأمنية. الأمن الحقيقي يبدأ أيضًا من التنمية، ومن المدرسة، ومن العمل، ومن الاستثمار، ومن شعور المواطن بأن له مستقبلًا في بلده.
والأكثر إيلامًا أن الاحتجاجات التي اندلعت بعد فاجعة البحر قوبلت أمنيًا بدل أن تُفهم أولًا باعتبارها صرخة غضب وحزن من مدينة فقدت أبناءها.
لا أحد يطالب بالفوضى، ولا أحد يبرر الاعتداء على الممتلكات أو قوات الأمن. لكن التعامل الأمني وحده لا يمكن أن يعالج أزمة اجتماعية واقتصادية بهذا العمق.
أهالي بن قردان لا يحتاجون إلى خطب جديدة عن البطولة. هم يعرفون جيدًا ماذا فعلوا من أجل تونس.
هم يحتاجون إلى دولة تتذكر تضحياتهم عندما تضع سياساتها.
يحتاجون إلى استثمار، إلى مشاريع، إلى معابر منظمة وفعالة، إلى بدائل اقتصادية، إلى فرص حقيقية للشباب، وإلى رؤية تجعل من بن قردان بوابة تونس نحو ليبيا وإفريقيا، لا منطقة معزولة على هامش الدولة.
فإذا كانت بن قردان قد أثبتت في 7 مارس 2016 أنها قادرة على حماية تونس من الإرهاب، فإن مسؤولية الدولة اليوم هي أن تحمي بن قردان من الفقر والتهميش واليأس.
لأن المعركة اليوم مختلفة.
بالأمس، كان الخطر يأتي من الإرهاب.
واليوم، الخطر هو أن يفقد شباب بن قردان الأمل في وطنهم.
ومن يفقد الأمل، قد يبحث عن أي طريق للخروج... حتى لو كان ذلك الطريق هو البحر.
رحم الله أبناء بن قردان الذين فقدوا حياتهم، وحفظ أهلها، وحفظ تونس.
ولنجعل من هذه الفاجعة بداية سؤال جدي:
متى ستصبح بن قردان أولوية وطنية في التنمية، كما كانت أولوية في محاربة الارهاب؟

