ما يحدث في تونس من انقطاعات للكهرباء والماء، وفقدان للماء المعدني، وغلاء للأسعار، ونقص في المواد الأساسية والأدوية، وما يصاحبه من تحركات ومسيرات في العديد من المناطق احتجاجًا على ضنك العيش وغياب المسؤولين وعجزهم عن إيجاد حلول للمشاكل المتراكمة والمتعاظمة، هو ببساطة الواقع كما هو، من دون تدخل من أي جهة، داخلية كانت أو خارجية.
ما يحدث هو رد فعل تلقائي وطبيعي لشعب راكم أزمات عديدة ذات صلة بمعيشته وأمنه، تفاقمت خلال السنوات الأخيرة منذ الانقلاب، من دون أفق واضح لحلها أو حتى للتخفيف من وطأتها.
ومنذ الانقلاب، تغيرت خريطة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين. فقد انكفأ الاتحاد العام التونسي للشغل على نفسه، بعد أن كان يقود أو يساهم في عشرات الآلاف من الإضرابات والتحركات، وغاب تقريبًا عن الشأن الوطني. وتراجعت الأحزاب السياسية وحضورها وقدرتها على التعبئة وقيادة الشارع، وفي مقدمتها حركة النهضة، التي اعتُقل رئيسها وأبرز قياداتها، وأُغلقت مقراتها وجُمّدت أرصدتها، وتعرض مناضلوها للملاحقات والمحاكمات والتخويف، بما في ذلك توظيف المرسوم 54.
أما الإدارة، فتعيش حالة من الخوف والشلل؛ فلا أحد يكاد يجرؤ على اتخاذ قرار أو المبادرة أو الاجتهاد، خشية الاتهام أو تصفية الحسابات. والنتيجة إدارة مترددة وعاجزة حتى عن ممارسة صلاحياتها الطبيعية.
كما جرى تفكيك جانب كبير من نسيج المجتمع المدني بالملاحقات والمحاكمات والتخويف والتخوين والوصم، بينما جرى تدجين الإعلام الذي كان له تأثير كبير في الحياة السياسية، فتحول في جانب واسع منه من أداة ضغط وتأثير إلى أداة مساندة للسلطة.
وتراجع كذلك حضور رجال الأعمال والكناترية الذين كان لهم نفوذ واسع خلال العشرية السابقة، فلم تعد لهم تقريبًا الأذرع الإعلامية والصفحات والتحركات التي كانت تستخدم لتصفية الحسابات أو تمرير المصالح.
وبذلك، تعطلت كليًا أو جزئيًا معظم محركات المجتمع السياسي والمدني، وخلت الساحة تقريبًا للسلطة وأذرعها السياسية والإعلامية والأمنية.
لذلك، فإن ما يحدث اليوم في تونس لا يحتاج إلى تفسير المؤامرة ولا إلى البحث عن أيادٍ خفية. إنه صوت الواقع نفسه، ونتيجة طبيعية لتراكم الأزمات وانسداد الأفق وتعطل قنوات التعبير والاحتجاج والتنظيم.
أما أسطوانة اتهام النهضة والأحزاب والجمعيات بالتآمر وتأجيج الأوضاع وتعطيل الإدارة، فقد أصبحت مشروخة وممجوجة، ولم تعد تقنع التونسيين؛ لأنها تحولت إلى شماعة تُستخدم للتغطية على العجز والفشل وصناعة عدو غير موجود.
ما يحدث في تونس اليوم هو صورة تونس بعد خمس سنوات من الانقلاب، ومن التفرد بكل السلط: واقع يتحرك من تلقاء نفسه، لا بتدبير من الداخل ولا بتدخل من الخارج.

