ما بعد تجربة الحكم: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية لحركة النهضة..
مقالات راي 26 أكتوبر 2026

ما بعد تجربة الحكم: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية لحركة النهضة..

بقلم: ameurayed

رياض الشعيبي

في اطار التفاعل مع بعض القراءات النقدية لتجربة حركة النهضة في عشرية الانتقال الديمقراطي وما تلاها، أود المشاركة بهذا النص المستفيض لمن مازال يصبر على طول هذه النصوص...

لا تكتمل مراجعة تجربة حركة النهضة بمجرد تقييم ما حققته في الحكم، أو تحديد ما أخفقت في إنجازه، أو البحث عن الأسباب التي أفضت إلى تراجع موقعها السياسي. فهذه الأسئلة، على أهميتها، تظل جزئية ما لم تندرج ضمن سؤال أوسع يتعلق بوظيفة الحركة في التاريخ التونسي المعاصر، وبطبيعة المشروع الذي تريد الإسهام في بنائه، وبموقعها من التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والدولة والحياة السياسية.

لقد بينت تجربة الانتقال الديمقراطي أن الوصول إلى السلطة والمشاركة في إدارتها لا يكفيان، في حد ذاتهما، لإحداث التحولات التي ينشدها المجتمع. كما بيّنت أن النجاح الانتخابي لا يتحول آليًا إلى قدرة على الإصلاح، وأن امتلاك الشرعية السياسية لا يعني بالضرورة امتلاك شروط التغيير المؤسسي والاجتماعي. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من مراجعة تجربة الحكم إلى مراجعة التصور الذي جعل المنافسة على السلطة أحد المحاور الأساسية للفاعلية السياسية للحركة.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة المشاركة السياسية، أو إنكار حق حركة النهضة في التنافس الديمقراطي على الحكم، وإنما يعني التمييز بين السلطة بوصفها أحد المجالات المشروعة لخدمة الصالح العام، والسلطة بوصفها مركزًا تتحدد حوله هوية التنظيم وفاعليته وأولوياته. فحين يصبح الوصول إلى الحكم معيار النجاح الأبرز، قد تتراجع أسئلة بناء المجتمع، وتجديد الثقافة السياسية، وإصلاح الدولة، وتكوين الإنسان القادر على ممارسة الحرية وتحمل المسؤولية.

وفي الحقيقة، يتيح الفكر الإسلامي المعاصر أساسًا مهمًا لإعادة بناء هذه الإشكالية. فقد تجاوزت اتجاهات واسعة في الفكر الإصلاحي الإسلامي التصور الذي يحصر الإصلاح في تغيير الحاكم أو السيطرة على مؤسسات الدولة، لتؤكد أن النهضة الحضارية ثمرة تفاعل بين إصلاح الإنسان، وبناء المجتمع، وإقامة مؤسسات عادلة، وتطوير شروط العمران. فالسياسة، في هذا المنظور، ليست غاية مستقلة عن مقاصدها، وإنما وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة وتحقيق العدل وصيانة الكرامة الإنسانية وتوسيع قدرة الناس على المشاركة في تدبير شؤونهم.

وعلى هذا الأساس، لا يتمثل السؤال المركزي اليوم في كيفية استعادة النهضة موقعها السابق فحسب، بل في تحديد الوظيفة التاريخية التي ينبغي أن تضطلع بها في مرحلة تغيرت فيها شروط الفعل السياسي، وتراجعت فيها الضمانات الديمقراطية، وأصبحت فيها الحاجة ملحة إلى إعادة بناء الثقة بين المجتمع والسياسة، وبين الدولة ومواطنيها، وبين مكونات المجال الوطني.

الوظيفة التاريخية بين مرجعية المشروع الحضاري ومقتضيات الإصلاح السياسي:

لم يكن حضور حركة النهضة في الحياة التونسية مجرد تعبير عن رغبة تنظيمية في الوصول إلى السلطة؛ فقد ارتبط تاريخيًا بالدفاع عن الهوية والحرية، وبالمطالبة بالمشاركة السياسية، وبمقاومة الإقصاء والاستبداد. وقد تداخلت في هذه المسيرة أبعاد فكرية واجتماعية وسياسية، تباين وزنها من مرحلة إلى أخرى، تبعًا لطبيعة النظام السياسي وللظروف التي أحاطت بالحركة والمجتمع.

غير أن التحولات التي عرفتها تونس منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم خلال التسعينيات، فرضت على الحركة أن تجعل من البقاء التنظيمي والدفاع عن وجودها ومواجهة القمع أولويات ملحة. وقد أسهمت تلك الظروف في تشكيل ثقافة سياسية جعلت حماية التنظيم واستعادة الاعتراف به والمشاركة في السلطة أهدافًا شديدة الحضور. ولم يكن ذلك منفصلًا عن واقع الاستبداد، لكنه ترك أثرًا في ترتيب الأولويات وفي تصور العلاقة بين التنظيم والمجتمع والدولة.

وقد ظهرت، داخل التجربة الإسلامية نفسها، مراجعات دعت إلى إعادة النظر في اختزال التغيير في الصراع على الحكم، وإلى استعادة أهمية بناء المجتمع وتطوير الوعي السياسي والاجتماعي، والتمييز بين ثبات المقاصد ومرونة الوسائل. وتستمد هذه المراجعات مشروعيتها من داخل الفكر الإسلامي، لا من مجرد الاستجابة لضغوط الواقع السياسي.

فالقرآن الكريم يربط التغيير بمسؤولية الإنسان وبما يجري في حياة الجماعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. ولا يصح اختزال دلالة هذه الآية في إصلاح فردي معزول عن شروط المجتمع ومؤسساته؛ إذ تفتح، في أفقها العام، على علاقة متبادلة بين بناء الإنسان وتحول الجماعة.

كما أن استخلاف الإنسان في الأرض يرتبط بالمسؤولية والعمل والإصلاح، لا بمجرد امتلاك السلطة أو السيطرة على مؤسساتها.

ويقدم مفهوم العمران، كما تطور في التراث الإسلامي وامتد إلى الفكر الإصلاحي الحديث، مدخلًا لفهم هذه العلاقة. فالمجتمع لا ينهض بمجرد تغيير النخب الحاكمة، بل بقدرته على إنتاج المعرفة، وتنظيم المصالح، وبناء الثقة، وتطوير مؤسساته، وتوسيع مجالات المبادرة والعمل المشترك. ومن ثم، فإن الوظيفة التاريخية لأي حركة إصلاحية لا تُقاس فقط بقدرتها على تمثيل أنصارها أو الوصول إلى الحكم، وإنما كذلك بما تضيفه إلى قدرة المجتمع على تنظيم نفسه، ومقاومة الاستبداد، وإنتاج البدائل، وتجديد الحياة العامة.

ومن هنا، تقتضي إعادة تعريف وظيفة النهضة تجاوز التعارض المصطنع بين العمل السياسي والعمل المجتمعي. فالمطلوب ليس الانسحاب من السياسة لصالح المجتمع، ولا إخضاع المجتمع لمتطلبات التنظيم السياسي، بل بناء علاقة متوازنة تجعل العمل السياسي امتدادًا لمشروع إصلاحي أوسع، وتمنح المجتمع استقلاليته وقدرته على المبادرة والمساءلة.

في سؤال الاهلية

لقد أظهرت تجربة الانتقال الديمقراطي أن الأهلية السياسية ليست صفة ثابتة يمتلكها تنظيم بمجرد تاريخه النضالي أو مرجعيته الفكرية أو قاعدته الانتخابية. إنها قدرة مركبة تتشكل من المعرفة والكفاءة، والقدرة على إدارة الاختلاف، وفهم طبيعة الدولة، والتعامل مع المصالح المتعارضة، وتحويل المبادئ العامة إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم.

وقد كشفت المشاركة في الحكم أن امتلاك شرعية انتخابية لا يعفي من ضرورة الإعداد المؤسسي والفني، وأن الخبرة النضالية لا تتحول تلقائيًا إلى خبرة في إدارة الاقتصاد أو إصلاح الإدارة أو تطوير السياسات الاجتماعية. كما أظهرت أن التكوين السياسي لا ينبغي أن يقتصر على استيعاب الخطاب المرجعي أو مهارات التعبئة، بل يجب أن يشمل فهم المؤسسات، وتحليل الموازين الاجتماعية والاقتصادية، واستيعاب قواعد العمل الديمقراطي، والقدرة على اتخاذ القرار ومراجعة نتائجه.

وفي هذا السياق، تتيح مقاصد الشريعة أفقًا معياريًا مهمًا، من خلال مركزية العدل والمصلحة العامة وحفظ كرامة الإنسان. غير أن استحضار هذه المقاصد في المجال السياسي لا يكون بمجرد إعلان الالتزام بها، بل بتحويلها إلى معايير عملية للحكم على السياسات والقرارات والمؤسسات. فحماية كرامة الناس تقتضي صيانة حقوقهم وحرياتهم، وتحقيق العدل يقتضي مقاومة المحاباة والفساد، ورعاية المصلحة العامة تستوجب تقييم السياسات بحسب آثارها الفعلية في حياة المواطنين، لا بحسب النوايا المعلنة وحدها.

كما أن مبدأ الشورى، في امتداده إلى الاجتهاد السياسي المعاصر، لا ينبغي أن يُختزل في آليات التشاور داخل التنظيم. إنه يطرح سؤال المشاركة في القرار، وحق الاختلاف، ومسؤولية أصحاب السلطة، وضرورة إخضاع القرارات للمراجعة والمساءلة. وتقتضي الاستفادة المعاصرة منه وصل قيمته الأخلاقية بمؤسسات ديمقراطية تضمن تداول السلطة، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، وحق المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم.

ومن هذه الزاوية، لا تكون الأهلية السياسية شرطًا يكتمل قبل دخول الحكم بصورة نهائية، ولا نتيجة مضمونة لمجرد المشاركة فيه؛ إنها مسار من الإعداد والتعلم والمراجعة. لكن التعلم من التجربة لا يتحقق تلقائيًا أيضًا. فهو يحتاج إلى مؤسسات تقييم مستقلة نسبيًا عن الحسابات التنظيمية المباشرة، وإلى شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وإلى قدرة على التمييز بين ما فرضته الظروف وما نتج عن اختيارات كان يمكن اتخاذ غيرها.

دروس الحكم: بين التوافق والإصلاح...

تقدم تجربة الحكم بعد انتخابات 2011 مادة أساسية لإعادة التفكير في العلاقة بين الشرعية السياسية والقدرة على الإصلاح. فقد أتاح فوز حركة النهضة بالانتخابات التأسيسية لها موقعًا مركزيًا في إدارة المرحلة الانتقالية، لكنه وضعها كذلك أمام مسؤولية التوفيق بين مقتضيات التأسيس الديمقراطي، وضغوط الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ومخاوف قطاعات من المجتمع، وتعدد القوى التي شاركت في صياغة مستقبل البلاد.

كانت تجربة الترويكا اختبارًا مبكرًا للقدرة على الانتقال من المعارضة إلى إدارة الدولة. وقد أظهرت أن التعدد داخل الائتلاف الحاكم لا يضمن، بمفرده، وضوح المشروع أو الانسجام في السياسات، وأن التوازن بين الشركاء يحتاج إلى برنامج محدد وآليات واضحة لاتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات. كما بيّنت أن إدارة المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تقوم على الشرعية الانتخابية وحدها، بل تحتاج إلى كفاءة إدارية، وتواصل عام مقنع، واستعداد لمعالجة المطالب الاجتماعية التي لا تنتظر اكتمال بناء المؤسسات.

أما الحوار الوطني سنة 2013، وما أفضى إليه من تسوية سياسية، فقد كشف عن قيمة التوافق في منع الانزلاق نحو الصدام، وعن أهمية تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة. غير أن التجربة تطرح، في الوقت نفسه، سؤال الحدود التي ينبغي أن يقف عندها التوافق. فهو يكون أداة لحماية الانتقال الديمقراطي حين يساعد على استكمال بناء المؤسسات وتثبيت قواعد المنافسة، لكنه قد يتحول إلى بديل عن الإصلاح حين يصبح تجنب الخلاف غاية في ذاته، أو حين تتقدم المحافظة على توازنات النخب على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

ويبرز تسليم الحكومة إلى كفاءات مستقلة في سنة 2014 جانبًا آخر من هذه التجربة؛ فقد مثّل، في سياقه، تنازلًا عن إدارة السلطة التنفيذية من أجل تخفيف التوتر واستكمال المسار الانتقالي. لكن الدرس الأبعد لا يتعلق بتقييم القرار بمعزل عن ظروفه، بل بضرورة التمييز بين التسويات التي تحمي الانتقال الديمقراطي وتفتح المجال أمام التنافس الحر، والتسويات التي تؤجل الخلافات الجوهرية من دون بناء قدرة مشتركة على حلها.

وتكررت هذه الإشكالية في تجربة حكومة الوحدة الوطنية واتفاق قرطاج سنة 2016. فقد عكست المبادرة إدراكًا للحاجة إلى توسيع قاعدة المشاركة في مواجهة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، لكنها أبرزت أيضًا محدودية الاتفاقات السياسية العامة حين لا تتحول إلى برامج قابلة للإنجاز، بمسؤوليات واضحة وآجال محددة وآليات للمتابعة والمحاسبة. فجمع القوى السياسية حول عناوين كبرى لا يكفي، إذا لم يصاحبه اتفاق على الأولويات والإجراءات وعلى تحمل النتائج بشكل جماعي.

وقد كان الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي من أبرز ميادين الاختبار. إذ لم تنجح الحكومات المتعاقبة في إحداث تحول ملموس ومستدام في عدد من القضايا التي تمس حياة المواطنين، من التشغيل والتنمية الجهوية إلى الخدمات العامة وتوازنات المالية العمومية. ولا يجوز تحميل حركة النهضة وحدها مسؤولية إخفاقات مرحلة كاملة شاركت فيها أطراف متعددة، وعملت في ظل مؤسسات هشة وضغوط اقتصادية واجتماعية وتحديات إقليمية. لكن تعدد المسؤوليات لا يلغي ضرورة تقييم مساهمة الحركة في الخيارات التي دعمتها، وفي البرامج التي شاركت في صياغتها، وفي قدرتها على الدفاع عن إصلاحات واضحة أو مراجعة ما ثبت قصوره.

كما أظهرت التجربة أن إصلاح الإدارة لا يمكن أن يظل وعدًا عامًا. فالدولة لا تتغير بمجرد تبدل الحكومات أو إعادة توزيع المسؤوليات السياسية، وإنما عبر تطوير المرافق العامة، وتحسين جودة الخدمات، وتكريس الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومقاومة الفساد، وبناء إدارة مهنية تعمل وفق القانون وتستجيب لحاجات المواطنين.

وتتصل بذلك مسألة التواصل السياسي وتجديد القيادة. فقد لا تكون السياسات وحدها هي التي تحدد علاقة الحركة بالمجتمع، بل كذلك قدرتها على تفسير قراراتها، والاستماع إلى النقد، وإدراك التحولات في انتظارات المواطنين، وتجديد نخبها وأساليب عملها. فالتواصل ليس مجرد أداة لتسويق المواقف، بل جزء من المساءلة السياسية، كما أن تجديد القيادة ليس إجراءً شكليًا، وإنما شرط لتجدد الأفكار والخبرات ولتوسيع المشاركة داخل التنظيم.

كما تؤكد هذه الدروس أن التقييم الموضوعي للتجربة ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للنوايا، كما لا ينبغي أن ينقلب إلى تبرئة مسبقة من المسؤولية. فالمراجعة الجادة هي التي تجمع بين فهم القيود الموضوعية وتحديد الاختيارات التي كان بالإمكان تحسينها أو تجنبها.

الدولة والمجتمع: تجاوز الثنائية التقليدية..

من القضايا التي تستحق مراجعة عميقة موقع المجتمع في المشروع الإصلاحي للحركة. فقد فرضت طبيعة الصراع مع الاستبداد، في مراحل طويلة، أولوية الدفاع عن الوجود التنظيمي والمطالبة بالاعتراف والمشاركة السياسية. ومع اتساع مجال العمل السياسي بعد الثورة، انتقلت الحركة إلى موقع متقدم في مؤسسات الدولة، لكن هذا التحول لم يصحبه بالقدر الكافي، فيما يبدو، تصور متكامل للعلاقة بين العمل السياسي وبناء المجتمع.

فبدا كأنه على الحركة أن تختزل مشروعها في أحد المجالين وتتخلى عن الآخر. فالوقوع في فخ هذه الثنائية لا يعكس مفهوم النهوض الحضاري الذي عبر عنه مشروع الحركة الاصلاحي باستمرار، ولا حتى نجح في فهم تعقيدات المجتمعات الحديثة، وحاجتها لتعدد أشكال الفعل الإصلاحي.

إن بناء مجتمع حر يحتاج إلى مؤسسات سياسية ديمقراطية، كما أن استقرار الديمقراطية يحتاج إلى مجتمع يمتلك المبادرة والتنظيم والقدرة على مراقبة السلطة ومساءلتها.

وفي الفكر الإسلامي المعاصر، تتيح مفاهيم المسؤولية الفردية، والتكافل، والتعاون على البر، والشورى، وإقامة العدل، أساسًا لتصور المجتمع بوصفه مجالًا فاعلًا في الإصلاح، لا مجرد قاعدة اجتماعية تستمد منها التنظيمات شرعيتها. فالمواطن ليس متلقيًا للخطاب أو موضوعًا للتعبئة، وإنما شريك في إنتاج المصلحة العامة، وصاحب حق في الاختلاف والمشاركة والمحاسبة.

ويقتضي ذلك أن تتسع الرؤية المنهجية للاصلاح لتشمل التعليم والثقافة والعمل الأهلي والتضامن الاجتماعي والتنمية المحلية والبحث العلمي، وأن تفسح المجال أمام مبادرات مستقلة عن الارتباطات الحزبية المباشرة. كما يستدعي بناء علاقة جديدة مع المنظمات المهنية والجمعيات والنقابات والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين، تقوم على التعاون حيث تتقاطع المصالح، وعلى استقلالية كل طرف وحقه في الاختلاف حيث تتباين الرؤى، لأن ذلك وحده الكفيل ببناء مجتمع متوازن ومستقر.

إن الوظيفة التاريخية للنهضة لا يمكن أن تتحقق إذا ظل المجتمع مجرد مجال للتنافس على التأييد الانتخابي، كما لا تتحقق إذا انسحبت الحركة من المجال السياسي وتركت الدولة بلا قوى تدافع عن ديمقراطيتها. المطلوب هو الجمع بين مجتمع قادر على المبادرة ودولة خاضعة للقانون، ومؤسسات تضمن المشاركة والتداول والمساءلة. فالإصلاح السياسي لا يستغني عن البناء الاجتماعي، والبناء الاجتماعي لا يكتمل في ظل الاستبداد أو غياب الحقوق والحريات.

بعد 25 جويلية تغيرت شروط الفعل السياسي:

أعاد 25 جويلية 2021 تشكيل المجال السياسي التونسي، وأضعف الضمانات المؤسسية التي قام عليها الانتقال الديمقراطي. وقد أدى تركّز السلطة وتراجع التوازن بين المؤسسات وتضييق المجال العام إلى تغيير شروط العمل السياسي، وإلى وضع قضايا الحرية والمشاركة واستقلال القضاء وحق التنظيم في صدارة الأولويات.

ولا يمكن فهم المرحلة الراهنة بمعزل عن هذا التحول. فمراجعة تجربة النهضة لا ينبغي أن تتحول إلى مساواة بين أخطاء إدارة الانتقال الديمقراطي وبين تفكيك ضماناته، ولا إلى تجاهل مسؤولية السلطة القائمة عن تراجع الحريات وتضييق المجال السياسي. إن الدفاع عن الديمقراطية يقتضي التمييز بين نقد التجربة السابقة وبين التسويغ، المباشر أو غير المباشر، للانقلاب على قواعدها.

فالدفاع عن الحقوق والحريات ومقاومة الاستبداد لا يتعارضان مع مساءلة الذات، بل يحتاجان إليها. وكلما ازدادت القيود المفروضة على العمل السياسي، ازدادت الحاجة إلى وضوح الرؤية، وتجديد أدوات الفعل، وبناء الثقة مع المجتمع، وتطوير أشكال من التعاون الوطني تتجاوز الانتماءات الحزبية.

ومن منظور إسلامي معاصر، لا يمكن اختزال العدل في سلامة المرجعية المعلنة، ولا اختزال الشورى في وجود تنظيمات تحمل أسماء أو شعارات إسلامية. فالقيم التي تمنح العمل السياسي مشروعيته تُختبر في الممارسة: في احترام الإنسان، وصيانة حقوقه، وقبول الاختلاف، ورفض الاستبداد، والالتزام بالقواعد التي تمنع احتكار السلطة. كما أن مقاومة الظلم لا تبرر إنتاج ممارسات تناقض الحرية التي يُراد استعادتها.

وتفرض هذه المرحلة كذلك إعادة التفكير في معنى المعارضة ووظيفتها. فالمعارضة ليست مجرد رفض للسلطة القائمة، ولا مجرد انتظار فرصة جديدة للعودة إلى الحكم؛ إنها قدرة على الدفاع عن المجال العام، وتوسيع المشاركة، وبناء البدائل، وتقديم تصورات عملية لإصلاح الدولة والاقتصاد والمجتمع. فكلما نجحت القوى الديمقراطية في تحويل الدفاع عن الحريات إلى مشروع وطني جامع، ازدادت قدرتها على استعادة المبادرة وتجاوز حالة الاستقطاب والإحباط.

نحو أفق استراتيجي جديد:

إن إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للنهضة تقتضي الانتقال من مراجعة جزئية للقرارات والقيادات إلى إعادة بناء تصور متكامل للعلاقة بين المشروع والواقع، وبين الحركة والمجتمع، وبين المنافسة السياسية ومشروع الإصلاح. ولا يمكن أن يتحقق ذلك بمجرد تغيير الخطاب أو إعادة ترتيب الهياكل؛ فهو يحتاج إلى تجديد في الأولويات، وفي أدوات العمل، وفي معايير النجاح نفسها.

لذلك يمكن تحديد أربعة مسارات مترابطة لهذا التجديد:

أولًا: بناء المجتمع بوصفه مجالًا أصيلًا للإصلاح. ويعني ذلك توسيع الاهتمام بالتعليم والثقافة والعمل الأهلي والتضامن والتنمية المحلية، وتشجيع المبادرات الاجتماعية والفكرية المستقلة، وتكوين مواطنين قادرين على المشاركة والنقد والتنظم. ولا يكون هذا المسار بديلًا عن السياسة، بل إسهامًا في بناء الشروط الاجتماعية والثقافية التي تجعل الديمقراطية قابلة للحياة والاستمرار.

ثانيًا: تجديد التنظيم ووظائفه. ويشمل ذلك مراجعة العلاقة بين القيادة والقاعدة، وتطوير آليات التداول والمساءلة، وإتاحة المجال أمام الأجيال والخبرات الجديدة، وبناء قدرات في البحث والتخطيط والتقييم وصياغة السياسات العامة. كما يقتضي التمييز بين ما ينبغي أن يبقى من الثوابت، وما يجب أن يخضع للاجتهاد والتطوير في وسائل العمل والتنظيم والتحالف. فالتجديد ليس تخليًا عن الهوية، بل اختبار لقدرة الارضية الفكرية على إنتاج إجابات ملائمة لتحولات المجتمع.

ثالثًا: الدفاع عن الحريات وبناء الشراكات الوطنية. لا يمكن لحركة النهضة أن تؤدي دورًا فاعلًا في التغيير الديمقراطي إذا بقيت علاقتها ببقية القوى الوطنية محكومة بذاكرة الصراع أو بحسابات المنافسة المستقبلية. فالمطلوب بناء تفاهمات على قواعد مشتركة، في مقدمتها الحريات العامة، واستقلال القضاء، وعلوية القانون، وحرية التنظم والتعبير، والتداول السلمي على السلطة. ولا يعني ذلك إلغاء الاختلافات الفكرية أو البرنامجية، وإنما الاتفاق على القواعد التي تتيح إدارة الاختلاف من دون إقصاء أو احتكار.

رابعًا: تطوير مشروع إصلاحي للدولة والاقتصاد والمجتمع. فلا يكفي أن يكون المشروع الديمقراطي دفاعًا عن المؤسسات والانتخابات، كما لا يكفي أن يرفع شعارات العدالة الاجتماعية من دون تحديد السياسات التي تحققها. إن استعادة الثقة تقتضي رؤية واضحة لإصلاح الإدارة، وتحسين الخدمات العامة، وتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين الجهات، وتوسيع فرص العمل، ومقاومة الفساد، وتطوير التعليم، وإصلاح المالية العمومية، وحماية الفئات المتضررة من التحولات الاقتصادية. ويقتضي ذلك الاستناد إلى المعرفة والخبرة، وفتح المجال أمام النقاش العام، وإخضاع البرامج للتقييم والمراجعة.

وتحتاج هذه المسارات إلى إطار فكري يربط بين الحرية والعدل، وبين الإصلاح السياسي والتنمية، وبين القيم المرجعية ومتطلبات الدولة الحديثة. وهنا يمكن للفكر الإسلامي المعاصر أن يسهم إسهامًا نوعيًا، إذا انتقل من الاكتفاء بتأكيد المرجعية إلى الاجتهاد في بناء المؤسسات والسياسات، ومن استحضار المقاصد في مستوى الخطاب إلى اعتمادها معايير لتقييم النتائج، ومن النظر إلى السلطة بوصفها أداة التغيير الأساسية إلى فهمها باعتبارها مجالًا من مجالات الإصلاح، تحكمه حدود القانون ومقتضيات المساءلة وحقوق المواطنين.

كما أن هذا الأفق لا يكتمل من دون مراجعة مفهوم النجاح السياسي. فنجاح الحركة لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، أو بموقعها في الائتلافات الحاكمة، بل كذلك بما تسهم به في توسيع مجال الحرية، وبناء الثقة، وتكوين الكفاءات، وإنتاج الأفكار، وتطوير البرامج، وتثبيت قواعد الديمقراطية. ولا يعني ذلك الاستغناء عن التنافس الانتخابي، بل وضعه في مكانه الصحيح ضمن مشروع أوسع، بحيث يكون الوصول إلى السلطة وسيلة لخدمة المجتمع لا معيارًا وحيدًا لقياس الفاعلية.

نحو وظيفة سياسية متجددة:

لا تتعلق مراجعة تجربة حركة النهضة بمستقبلها التنظيمي فحسب، بل بطبيعة دورها في الحياة السياسية التونسية وإسهامها في إعادة بناء النظام الديمقراطي. ويقتضي ذلك تجاوز هدف استعادة الموقع السابق إلى بلورة مشروع سياسي يربط المشاركة في الحكم بإصلاح الدولة، والدفاع عن الحريات، وبناء التوافقات الوطنية الضرورية للتغيير الديمقراطي.

فالسياسة مجال للتنافس المشروع على البرامج والبدائل، وتحمل المسؤولية العامة، وإدارة الاختلاف وفق قواعد ديمقراطية مشتركة.

ومن ثم، يرتبط تجديد دور النهضة بمراجعة تجربتها في الحكم والمعارضة، وتجديد قيادتها وبرامجها، وبناء علاقات تعاون مع القوى السياسية والاجتماعية على أساس احترام التعددية والتداول السلمي على السلطة. كما يتطلب مشروعًا قابلًا للتطبيق في إصلاح المؤسسات، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز استقلال القضاء والحريات العامة، مع تحديد الأولويات والوسائل وآليات التقييم والمحاسبة.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الحوار الفكري والسياسي: كيف تستطيع حركة النهضة بناء دور سياسي ديمقراطي متجدد يجمع بين المنافسة على الحكم وتحمّل مسؤولياته، والمساهمة من خارجه في حماية الحريات وتطوير البدائل، وإصلاح الدولة، من دون أن تستوعب السلطة سائر وظائفها ؟

تقتضي الاجابة مراجعة نقدية للتجربة وتجديدًا في الفكر والعمل والبرنامج. والرهان هو بلورة ممارسة سياسية تجعل من التموقع السياسي والمجتمعي، داخل السلطة أو خارجها، وسيلة للإصلاح، ومجالًا لفعل والنهوض.

موقع الذاكرة

شارك هذا المقال: