الظُّروف نفسها تؤدّي إلى الأوضاع نفسها... تلك مقدّمةٌ لوصف الخطر المحدق بالقارّة العجوز بعد تمدُّد احتجاجات الطّلبة الثّانويين في فرنسا إلى بلدان عديدة في أوروبا (بلجيكا وإيطاليا)، ما يستدعي قراءة تتجاوز السّياسة، ذلك أنّ القراءة الأكثر ملاءمة لما نراه يجب أن تكون قراءة استراتيجيّة، بسبب تزامن ذلك التّمدُّد، الذي قد يذهب بعيداً بالنّيل من بلدان أوروبيّة أخرى، مع خلافات عميقة مع الشّريك الأميركي، خصوصاً على المستويين الأمني والاقتصادي.
تنطلق القراءة الاستراتيجيّة لمنطلق تلك الاحتجاجات من الوضع الفرنسي، حيث تعاني حالة الشُّؤون التّعليمية نقص المعلّمين وتردّي وضع الطّلبة العلمي (ترتيب فرنسا في تصنيفات الأنظمة التّربوية العالميّة في تردٍّ مستمر، عاماً بعد عام) إضافة إلى تعمُّد الحكومة الفرنسيّة، بسبب العجر المالي (بلغ الدّين الدّاخلي الفرنسي، في آخر الإحصائيّات زهاء أربعة تريليونات يورو أي أكثر من 115% من النّاتج القومي الخام الفرنسي)، تخفيض ميزانيّة وزارة التّربية والتّعليم، ما فاقم الوضع، وأدّى به إلى الأحداث التّي أشعلت شرارة احتجاج الفئات الاجتماعيّة الأخرى، خصوصاً منها "السُّترات الصّفراء" التّي عادت إلى الشّارع، وينذر صوتها المرتفع بما لا يمكن أن نصفه إلّا باحتمال بلوغ الفوضى مداها الذي أسال حبر الإعلام المكتوب، وشكّل محور تحقيقات (ونقاشات) الإعلام المرئي والمنصّات على خلفيّة نقاش ساخن ومنذر بكارثيّة الوضع والمآلات.
طبعاً، لا يمكن عزل تلك الاحتجاجات، في فرنسا وبعدها في بلدان، في أوروبا، عن الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة التي أسهمت الحرب الجارية بين إيران وأميركا، من ناحية، وقبلها، بين روسيا وأوكرانيا، من ناحية أخرى، في رفع وتيرتها، خصوصاً في مجال المحروقات التي بلغت أسعارها سقفاً أخرج تلك الجموع إلى الشّوارع وأعاد معهم، في فرنسا، ظاهرة السُّترات الصّفراء إلى ما توقّف من احتجاجات تحوّلت إلى فوضى من 2018 إلى 2021، ذلك أنّ تلك الأوضاع ترافقت، في ألمانيا، مثلاً، التي قد تطاولها تلك الاحتجاجات، مع إفلاس شركات كثيرة (بمئات آلاف)، ودفعت شركات كبرى (خصوصاً في قطاع صناعة السّيّارات) إلى إعلان مخطّطات تسريح واسعة لمستخدميها، حيث تعاني أوضاعاً اقتصاديّة صعبة متزامنة مع أزمة الطّاقة، وعلى خلفيّة منافسة صينيّة قد تتحوّل إلى عمليّة خنق كاملة الأركان للاقتصاد الأوروبي، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا، قاطرتي الاتّحاد الأوروبي المترنّح، أصلاً، بعد خروج بريطانيا منه، واحتمال أن تتماهى بلدان أخرى غيرها مع تصاعد موجة الشّعبوية في السّويد وفرنسا ألمانيا، على وجه الخصوص.
احتمال أن تكون أوضاع الجاليات المغاربية، في أوروبا، سيّئة، لأنّ الأمن غير منضبط، وهناك إعلام متربّص يختلق الأخبار ويضخّمها
ما يهمّ هذه المقالة أنّ الاحتجاجات، مع تمدّدها، إلى بلدان مثل إيطاليا وبلجيكا، القريبتين من الفضاء المغاربي واحتمال أن تتمدّد، في المستقبل المنظور (شهرين أو ثلاثة)، بمرجعيّة احتجاجات السّترات الصّفراء، في السّابق (دامت أكثر من ثلاثة أعوام) قد تشكّل تهديداً على أكثر من مستوى للجاليات المغاربية، هناك، وللعلاقات مع تلك الدُّول، من ناحية ثانية، أمنيّاً واقتصاديّاً (الجزائر والمغرب وتونس مرتبطة باتّفاقيّات شراكة مع الاتّحاد الأوروبي).
بداية، هناك الملف الاقتصادي الذّي تعاني، بسببه، تلك الدُّول من الدَّينَ الداخلي (كلّ بمستوى محدّد) المرتفع مترافقاً مع مستويات بطالة ترتفع، طرديّاً، بالموازاة مع تعمُّق الأزمة واتّساع مداها، ما قد يضرُّ بأوضاع الجاليات المغاربيّة، هناك، خصوصاً في فرنسا (الجزائر والمغرب وتونس) وبلجيكا (المغرب)، وهو ما يستدعي، سياسيّاً، تصاعد موجة الشّعبوية (اليمين المتطرّف)، خاصّة أنّ فرنسا، مثلاً، على موعد قريب (إبريل/ نيسان 2027) مع الرّئاسيات، والحديث عن احتمال أن يكون، هناك، ممثّل لليمين المتطرّف في الدّور الثّاني، في القصر الرّئاسي (حال فوز المرشّح) أو في قصر الحكومة (في فرنسا، في العادة، تعقب التّشريعيات الانتخابات الرّئاسية مع إقرار الرّئيس الجديد حلّ الغرفة السفلى والدعوة إلى انتخابات مبكرة).
تسهم تلك الظُّروف والتّداعيات في احتمال أن تكون أوضاع الجاليات المغاربية، في أوروبا، سيّئة، لأنّ الأمن غير منضبط، وهناك إعلام متربّص يختلق الأخبار ويضخّمها، خصوصاً على مستوى القنوات المملوكة لرجال أعمال من اليمين المتطرّف (بولوري أنموذجاً) وحديثها عن وجود فرنسيين من أصول مغاربية تتعمّد التّخريب على خلفيّة الاحتجاجات، مع نشر بيانات مكذوبة أنّ هذا إنّما يتم للانتقام من فرنسا الاستعمارية، خصوصاً أنّ مروّجي هذه الأخبار، وفق الصّحافة الاستقصائية الفرنسيّة نفسها، هم من مناضلي اليمين المتطرّف (الجبهة الوطنيّة) التّي تريد رفع أسهمها في الوعاء الانتخابي على خلفيّة فضيحة معاداة السّامية التي يُتّهم بها زعيمها الشّاب بارديللا، وتداعيات محاكمة مارين لوبان (مرشّحة الحزب للرئاسيات) بتهمة اختلاس أموال عموميّة في البرلمان الأوروبي.
قد يلجأ الأوروبيّون إلى سياسات حمائية تحول دون ولوج بعض صادرات المنطقة المغاربية نحوها كما قد يكون لذلك أثر بليغ مع بلوغ التّنافسية بين الأوروبيّين والأميركيّين
على المستوى الاقتصادي، تجرّ تلك الظروف إلى تدابير مشددة ضد المهاجرين الشرعيين المقيمين، بصفة شرعية، في تلك البلدان حيث يكون هؤلاء ضحايا عمليات التسريح الكبيرة للعمال لتسكين المحتجين وتبرير الأوضاع بأن هناك من يأتي من الخارج للعمل في أوروبا وهي في حالة يرثى لها اقتصادياً باعتبار أن ذلك من تداعيات تصاعد موجة الشعبوية. طبعاً، هذا على المستوى الفردي أو في تداعيات على شريحة المهاجرين اقتصاديّاً، لأن تلك الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة قد يكون لها أثر سيئ، على المدى المنظور، على الارتباطات الاقتصادية الوثيقة بين المنطقة المغاربيّة والاتحاد الأوروبي حيث قد يلجأ الأوروبيّون إلى سياسات حمائية تحول دون ولوج بعض صادرات المنطقة المغاربية نحوها (الزّراعية والطاقوية، على وجه الخصوص) كما قد يكون لذلك أثر بليغ مع بلوغ التّنافسية بين الأوروبيّين والأميركيّين، من ناحية، والصّين، من ناحية أخرى، حدّاً يشبه الصّراعات الحربيّة، ولكن بالمال (فرض رسوم جمركية) وبالمواد الاقتصاديّة، ما قد يزيد من انكشاف المنطقة المغاربيّة اقتصادياً ويجعلها موضوعاً لتلك التّنافسية الشّديدة.
تترافق الأوضاع الاقتصاديّة الرّأسمالية، للأسف، مع حركية اقتصادية للعتاد العسكري يُراد، من خلاله، احتواء الأزمات، والحصول على موارد ولو عبر اختلاق صراعات تدفع المنطقة ثمنها، خاصّة من خلال إشعال عمقها الاستراتيجي (منطقة السّاحل) إمّا بالإرهاب وإما بالصّراعات والحروب التي تلتهم ذلك العتاد العسكري، وأوروبا من أكبر منتجيه ومصدّريه، رفقة أميركا وروسيا، إضافة إلى الصّين، شركاء صناعة الموت والرّبح الاقتصادي المرتكز على ميكانيزمات حركيّة الرّأسمالية التي لا يهمُّها إلّا المال والرّبح بخلفيّة حصول المساهمين على عوائد رؤوس أموالهم المستثمرة.
أحسن المغاربيون في فرنسا، عندما نادوا إلى عدم الانخراط في تلك الاحتجاجات، حيث منع الآباء أبناءهم الطلبة الثانويين من المشاركة في موجة الاحتجاجات
تلك هي بعض تداعيات تمدّد الاحتجاجات من فرنسا نحو بلدان أوروبية (إيطاليا وبلجيكا، بداية). ونحن، هنا، في المنطقة المغاربية، نترقب نتائج وخيمة من ذلك التمدّد، لأن كل السياسات تصنع لتكون أوروبا هي الفاعل (الغرب برمته، في هذه الحالة)، ونكون، نحن، موضوع التفاعل، عندما تقع الأزمات. وبالرغم من تأكيد الأجهزة الأمنية أنّ تلك الفوضى هي من صنع فرنسيين (طلبة وسترات صفراء من العمّال)، يعني وجودُ قطاع من النخبة السياسية التي تروج ضلوع المغاربيين، بضفة خاصة، في صنع تلك الفوضى، أنَّ الثمنَ، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، في حال اتساع موجة الفوضى وتمدّدها، لن يدفعه إلا المهاجرون والفضاء الجغرافي والجيوسياسي القريب من جغرافية الفوضى (الضفة الشّمالية للمتوسّط).
حدث ذلك الاتساع والتمدّد أو لم يحدث، يتم إلصاق كل الشرور في المهاجرين، ما يستدعي إعمال استراتيجية اليقظة في متابعة كل ما يحدث. وقد أحسن المغاربيون، عندما نادوا إلى عدم الانخراط في تلك الاحتجاجات، حيث منع الآباء أبناءهم الطلبة الثانويين من المشاركة في موجة الاحتجاجات، كما دعت بعض الجمعيات إلى الامتناع عن رفع أعلام أو علامات تدلّ على أي انخراط، منعاً لتلك الأبواق اليمينية من إلصاق تهمة الفوضى بالمهاجرين. وهم، رغم كل شيء، قاموا بذلك، ولكن تصدي الصحافة الاستقصائية منع من انتشار تلك الأكاذيب وتداعياتها على صورة المهاجرين، وإفشالاً منهم، أيضاً، لتبريرات سياسوية قد تلجأ إليها الحكومة لتعليق شمّاعة الفوضى عليها.
على مستوى الدول، ثمة مطالباتٌ، خصوصاً من الجزائر، بمراجعة اتفاقيات الشراكة، بعد بروز فشلها في طبع العلاقة الترابطية الاقتصادية بطابع التوازن، كما أن التداعيات الأمنية لأي انزلاق للوضع، مع اتساع الفوضى وتمدّدها، يستدعي يقظة، خاصة في العمق الاستراتيجي، منطقة الساحل.
العربي الجديد

