فقه الخصومة في زمن حروب الوعي: لماذا يخسر الخطاب حين يهاجم الأشخاص؟
مقالات راي 25 أوت 2026

فقه الخصومة في زمن حروب الوعي: لماذا يخسر الخطاب حين يهاجم الأشخاص؟

بقلم: ameurayed

التاريخ معمل التجربة الإنسانية، وفي لحظات الأزمات الكبرى، لا تجري المعركة دائماً في الميدان الذي تبدو فيه. قد تبدأ المعركة بخبر اقتصادي، أو موقف سياسي، أو حملة إعلامية، ثم تنتقل سريعاً إلى مساحة أخرى أكثر حساسيات وتأثيراً: كيف يرى الناس ما يحدث؟ ومن يصدقون؟ ومن يمنحونه ثقتهم؟

وهنا تصبح الشاشات الفضائية جزءاً مركزياً من المعركة التي تدور رحاها. الشاشة هنا لا تحمل السلاح، ولكنها تصنع بحبكة صورة الخصم، وتحدد للمتلقي ما يستحق النقاش وما ينبغي تجاهله، وتدفع الجمهور أحياناً إلى النظر إلى الأشخاص بدلاً من الأفكار.

حين تنتقل المعركة إلى الشاشات

وفي كثير من السجالات التلفزيونية التي تملأ الفضائيات، وتتناول قضايا شائكة في المنطقة، يمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح: يبدأ النقاش من قضية عامة، ثم ينتهي عند سيرة شخص، أو ماضيه، أو أخلاقه، أو حياته الخاصة. وهنا أجدني لست في حاجة إلى الإشارة إلى واقعة بعينها؛ فالوقائع تتزاحم ولا تنقطع، والنمط يتكرر حتى أوشك أن يصبح هو الأصل في إدارة الحوار.

المشكلة في هذا النوع من الخطاب ليست أخلاقية فحسب؛ بل هي مشكلة في كفاءة الحجة نفسها. فعندما تكون لدى المحلل أرقام ووثائق ووقائع سياسية يستطيع أن يبني عليها موقفه، فإن ترك هذه الأدوات الصلبة والذهاب إلى حياة الخصم الشخصية لا يقوي الرسالة، بل يضعفها ويفرغها من محتواها.

فقه الخصومة في القرآن والسيرة النبوية

خصم، وإنما أن نفحص الخبر ونفند مضمونه قبل بناء الحكم عليه.

حين يتحول الهجوم إلى دعاية مجانية

وينطبق ذلك أيضاً على تقدير حجم الخصم إعلامياً؛ فإذا قضى برنامج تلفزيوني وقتاً طويلاً في الحديث عن شخص، ثم أكد في الوقت نفسه أن هذا الشخص لا قيمة له ولا تأثير له، فإن ثمة تناقضاً منهجياً يصعب تجاهله، وهنا تفرض أسئلة نفسها في مثل هذا الموقف: لماذا كل هذا الوقت إذن؟ ولماذا هذا التركيز؟

إن هذا الانتباه المتزايد يتحول عملياً إلى دعاية مجانية؛ فالشخص الذي كان مجهولاً لدى شريحة من الجمهور قد يصبح معروفاً بسبب كثرة الهجوم عليه، وقد يدخل المشاهد إلى المنصات بحثاً عن الأصل الذي يتحدث عنه البرنامج. لذلك فإن تجاهل بعض الخصوم قد يكون، في ظروف معينة، أكثر فاعلية من تحويلهم إلى أبطال دائمين على الشاشة.

وهذه ليست مسألة نظرية؛ فالخطاب التلفزيوني لا يتكون من الكلمات وحدها، بل إن طريقة جلوس المتحدث أمام الكاميرا، ونبرة الصوت، والتحديق، وحركة اليد، وطريقة مقاطعة المذيع للضيف أو تأييده، كلها ترسل رسائل إيحائية غير مباشرة إلى المشاهد. وعندما يدخل المذيع والضيف إلى الحوار وهما متفقان مسبقاً على النتيجة، ولا يترك أحدهما للآخر مساحة حقيقية للسؤال المزعج أو الاعتراض الموضوعي، فإن البرنامج يتحول تدريجياً إلى "غرفة صدى" تعيد إنتاج الرسالة نفسها للجمهور الذي يؤمن بها أصلاً.

حين تتكلم الأرقام والوثائق بدلاً من الشتائم

وهذا يقود إلى نقطة أخرى تتعلق بالتغطية الاقتصادية والسياسية؛ فعندما تصدر جهة رسمية، على سبيل المثال، تقارير تتضمن أرقاماً عن الاقتصاد أو تحويلات العاملين في الخارج أو غيرها من المؤشرات، فإن قيمة الرقم لا تكمن في استخدامه كشعار، وإنما في تفسيره. الرقم القوي لا يحتاج إلى شتيمة من يشكك فيه، بل يحتاج إلى وضعه في سياقه، ومقارنته بما سبقه، وشرح دلالته وحدوده.

إذا كانت هناك زيادة كبيرة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، مثلاً، فالأفضل أن يُسأل: ما أسباب هذه الزيادة؟ ماذا تعني بالنسبة إلى سوق النقد الأجنبي؟ هل ترتبط بتحسن الثقة، أم بتغيرات في أسعار الصرف، أم بعوامل أخرى؟ وماذا تقول بقية المؤشرات؟ بهذه الطريقة يصبح الرقم مادة للتحليل، لا ذخيرة في معركة شخصية.

إن الدرس الأهم من السيرة النبوية المطهرة والفقه الإسلامي في إدارة الخصومة هو أن قوة الموقف لا تعني أبدا القسوة في وصف الخصم. فالعدل ليس ترفاً أخلاقياً يضاف إلى الخطاب عندما تكون الظروف هادئة والأمور مستقرة، بل هو جزء من قوة الحجة نفسها. فإذا احتاجت الحجة إلى الكذب أو المبالغة حتى تنتصر، فقد خسرت شيئاً من قوتها قبل أن يبدأ النقاش، بل حكمت بالإعدام على نفسها.

والأمر ذاته في الإعلام؛ يستطيع المذيع الذي يدير الحوار أن يكون حازماً من دون أن يكون شاتماً، وأن يفنّد الرواية من دون أن يحوّل حياة صاحبها إلى ملف اتهام، وأن يستخدم الوثيقة من دون أن يجعل الشاشة ساحة لتصفية الحسابات.

في النهاية، لا تحتاج حماية المجتمع من التضليل إلى خطاب أكثر صخباً وضجيجا، وإنما إلى خطاب أكثر دقة وأمانة ومهنية. إن الفرق كبير بين أن تقول للجمهور إن خصمك سيئ، وبين أن تريه بالوثيقة والرقم والسياق أين أخطأ خصمك ولماذا أخطأ.

ختاما، شتان بين خطاب يطلب من الناس أن يصدقوه لأنهم منحازون إليه، وخطاب يمنحهم من الأدلة ما يجعلهم يقتنعون به. وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي خطاب يريد أن يتجاوز جمهوره الخاص إلى مساحة أوسع من الإقناع والتأثير

العربي 21

شارك هذا المقال: