غضب فرنسي
مقالات راي 12 أكتوبر 2026

غضب فرنسي

بقلم: ameurayed

انطلق خريف غضب فرنسي أخيراً من دون إعلان مسبق، موحياً بمناخات اجتماعية لا تقل غضباً واضطراباً عن مناخ الخريف الفرنسي الذي عادة ما يشهد أنواء وعواصف. ولا يمكن هذه المرّة اتهام التغيرات المناخية التي ظلت فرنسا في مختلف القمم الخاصة بها تتلكأ رغم أنها تغيرات جيلية حادة. وقد يكون "جيل زد" الفرنسي يهيئ نفسه للزحف على باستيل... مجدّداً. فمنذ حركة "السترات الصفراء" التي عاشتها فرنسا سنة 2018، وهي التي شهدت خسائر مادية فادحة وتعطيلاً لجل مرافق الحياة تقريباً على خلفية ارتفاع أسعار الوقود والمعيشة عموماً، لم تشهد فرنسا موجة احتجاجية كالتي تمر بها حالياً. يخوضها بشكل رئيس طلاب المدارس الثانوية، وطلبة الجامعات بشكل ثانوي.

انطلق القادح من وقوف الطلاب في باريس وضواحيها على الحالة الرثة التي تعشيها مؤسّساتهم، والنقص الحاد في المدرّسين، فكانت الشرارة التي تلقفتها جميع مناطق فرنسا، فامتدت سريعاً إلى عشرات المدن الكبرى: مرسيليا، ليل، بوردو... إلخ، وقد شاركت فيها أعداد ضخمة وغير مسبوقة، حتى إن تقديرات وزارة الداخلية تشير إلى مشاركة ما يناهز 260 ألف متظاهر في مسيرة يوم 6 أكتوبر، وهي الأضخم، بينما تقدم الجهات المنظمة، وهي ما يناهز أربع منظمات طلابية، فضلاً عن تنسيقية مساندة من نقابات عمالية، العدد بما يناهز 440 ألفاً. ولا شك أن الشعارات المرفوعة لم تكتف بالمطالبة بالحق في بنية تعلمية ذات جودة وتليق بفرنسا، بل طالبت بمسائل يبدو للوهلة الأولى أن لا علاقة لها بهم أصلاً، على غرار: اتهام الطبقة السياسية بالانغلاق وإنكار الواقع، استثمارات فرنسا في التسلح والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، ميزانية سخية لبعض القطاعات على حساب أخرى... إلخ، وذلك ما منح هذه الموجة الاحتجاجية أبعاداً اجتماعية وسياسية تتجاوز تلك المطالب الضيقة التي تنحصر في فصل الدراسة، وبالكاد جدران المدارس. إنه قلق يحفر في المجتمع الفرنسي حتى يصل إلى قاعه وطبقاته الأعمق: رهانات انتخابات في الأفق صعبة التوقع والتبعات، وشرخ اجتماعي يتسع بين الفئات الاجتماعية، وتراجع مخيف لفرنسا في التصنيفات الدولية للتعليم، وهوى سياسي جديد يتعاطف مع الفلسطينيين، خصوصاً بعد الإبادة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق غزّة وأهلها.

امتدّت مطالب الطلاب إلى توسيع عدد مقاعد الجامعة المخصص

ولئن كان السبب المباشر، كما ذكرنا سابقاً، لهذه الموجة الاحتجاجية العاتية النقص الفادح في الإطار التربوي، ما يجبر الطلبة على عدم متابعة مواد مبرمجة عديدة، ففي المدارس الثانوية وحدها، يتم إهدار ما يناهز 10% من الحصص الدراسية، لعدم توفر الإطار المدرسي، علاوة على ما طاول المنشآت التربوية من تهرئة مدرسية، وهي التي عانت إهمالاً امتد على أكثر من ثلاث عقود من دون إغفال الاكتظاظ في فصول الدراسة. كما امتدّت مطالب الطلاب إلى توسيع عدد مقاعد الجامعة المخصص لهم فضلاً عن ابتكار أساليب أكثر شفافية وعدالة وإنصافاً لتوجيه الطلاب إلى الشعب "النبيلة"، أي تلك الشعب التي تمتاز بمسار جامعي مطوّل يفضي إلى مهن ما زالت حكراً على الأرستقراطيات الفرنسية التقليدية، على غرار معاهد الهندسة بمختلف شعبها، والمالية... إلخ.

بعد تردّد كان مزيجاً من التجاهل والخوف، تحرّكت الحكومة الفرنسية لاحتواء الغضب التلمذي، ومع ذلك فشلت في محاولاتها الأولى، خصوصاً أن التدخلات الأمنية العنيفة التي انجرت عنها أضرار فادحة لبعض المشاركين (بتر يد، تشوّه وجه...) ناجمة عن استعمال قنابل مسيلة للدموع من الجيل الجديد قد ألقت مزيداً من الزيت على النار الملتهبة. لقد وعد وزير التربية بتوفير العدد الكافي من المدرّسين قبل نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، وقد عدّه الطلاب انتصاراً أولياً في انتظار مزيد من المكاسب. مع هذا، قد يعّزز إصرار الطلاب على مواصلة التحرّكات أنصاره، بعد أن أحصوا ما يناهز إصابة مائتي طالب من زملائهم، جلهم من القاصرين.

ستلقي "الانتفاضة الطلابية" بظلالها على المشهد الانتخابي المقبل

سبقت هذه الأزمة تصريحات مسؤولين كبار عبروا عن خشيتهم من فقدان "المدرسة الجمهورية" التي تعد مفخرة الفرنسيين مكانتها بين الأمم، بعد أن تدحرجت فرنسا إلى المرتبة الـ27 من بين 91 دولة مشاركة اشتركت في اختبارات "بيزا"، متراجعة مرتبة إضافية عن الدورة السابقة بتسجيلها نزولاً حادّاً في مادتي اللغة الفرنسية والرياضيات التي احتلت فيها المرتبة الـ34، تتقاسمها مع إسبانيا ولوكسمبورغ...

تندلع هذه الأزمة الحادة في مناخ اجتماعي وثقافي تترسخ فيه مشاعر الضيم التي تنتاب فئات واسعة من شبان الأحياء الفقيرة التي صنفتها فرنسا منذ سنوات "مدارس ذات أولوية قصوى"، فلقد ظلت المدرسة فيها المصعد الوحيد الذي يحقق لهم الفرصة الوحيدة لمغادرة التهميش والفقر. ولذلك ستلقي هذه "الانتفاضة الطلابية" بظلالها على المشهد الانتخابي المقبل، وقد بدت الاستعدادات له مبكراً نظراً إلى الرهانات المعقودة عليه. لقد غير دوماً الطلاب من الثقافة السياسية للفرنسيين عموماً (ثورة 1968). وقد يكون هذا مؤشّراً على تصدّعات كبيرة في المجتمع الفرنسي، وتحديداً في نخبه السياسية القادمة. هل هي ملامح "جيل زد" فرنسي تتشكل لتغيير المعادلة هناك؟

المهدي المبروك

شارك هذا المقال: