فتح مجلس الأمن الباب أمام مسار غير مسبوق في ملف الصحراء، إثر إخفاقه في التوصل إلى توافق يمرّر أحد مشروعي القرار المتعارضين؛ أحدهما لواشنطن والآخر لموسكو، بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، حيث تحولت جلسة التصويت ليوم الجمعة (31 أكتوبر/ تشرين الأول) من محطّة روتينية لتجديد التفويض السنوي للبعثة، إلى نقطة تحول فارقة تعيد خلط الأوراق في واحد من أقدم النزاعات المنسية في القارة الأفريقية.
حمل مشروع القرار الأميركي رقم S/2026/ 868 في طياته تعديلات جوهرية من شأنها إحداث تحول جذري في طبيعة النزاع؛ فقد نصّ على إعطاء مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب موقعا محوريا ومتقدما باعتبارها الأساس الوحيد للتفاوض. كما اقترح تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية عاماً، مع تغيير مسماها إلى "المينوسو" (MINUSO) بدلا من "المينورسو" (MINURSO) بحذف حرف "R" المعبر عن الاستفتاء. حظي المشروع بتأييد 11 دولة، وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، لكن "الفيتو" الروسي أسقطه رغم حصوله على الأغلبية. في المقابل، لم يدعم سوى ثلاثة أعضاء مشروع قرار روسي بديل، يبقي الوضع على ما هو عليه عاماً إضافيّاً، متجاهلاً أي إشارة إلى مقترح الحكم الذاتي.
في معرض الدفاع عن موقف بلاده، اعتبر مندوب الدبلوماسية الروسية، السفير فاسيلي نيبينزيا، أن المقترح الأميركي يتجاوز التعديل الشكلي المتمثل في حذف الحرف الدالّ على الاستفتاء، ليضفي الشرعية على مقاربة منحازة لطرف واحد، ما يستوجب (برأيه) توافقا أوسع داخل مجلس الأمن، معللا استخدام موسكو حق النقض بأنه "لإنقاذ الأرواح". في المقابل، شدد المندوب الأميركي مايكل وايتز على أن التمديد السنوي الروتيني، بمعزل عن تحقيق الغاية الأساسية للبعثة، لم يعد خياراً مقبولاً لبلاده، مستحضراً تقييماً سابقاً للأمين العام الراحل كوفي عنان، أن البعثة باتت عنواناً لفشل إداري مزمن، وأن فكرة إجراء استفتاء في الصحراء لم تعد خياراً قابلا للتطبيق عملياً.
كشف الانقسام الحاد في مجلس الأمن، وما رافقه من عجز كامل عن تجديد ولاية بعثة قائمة منذ ثلاثة عقود ونصف العقد، واللجوء إلى حق النقض لأول مرة في تاريخ هذا الملف
كشف الانقسام الحاد في مجلس الأمن، وما رافقه من عجز كامل عن تجديد ولاية بعثة قائمة منذ ثلاثة عقود ونصف العقد، واللجوء إلى حق النقض لأول مرة في تاريخ هذا الملف، عن عمق الاستقطاب الدولي الراهن الذي تجاوز تفاصيل تدبير البعثة ومهامها الإدارية نحو مربّع أكثر خطورة، يمسّ جوهر الحل السياسي وصراع النفوذ على صياغة مستقبل الملف داخل الأمم المتحدة. تظهر هذه الأزمة تآكلا جلياً في آليات التوافق الدولي، وتثير شكوكاً عميقة حول قدرة مجلس الأمن على إدارة النزاعات في ظل تحوّل مظلة الشرعية الدولية نفسها إلى مضمار للمواجهة المباشرة بين القوى الكبرى.
سياسياً، بدت أطراف النزاع، وبصورة غير مسبوقة، في حالة من الارتياح المزدوج تجاه مخرجات الجلسة، فبالنسبة للجزائر وجبهة بوليساريو، أتاح الفيتو الروسي فرصة لكبح مشروع القرار الأميركي الذي كان كفيلاً بتعزيز مبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن مرجعيات المجلس، وإسقاط بند تنظيم الاستفتاء رسمياً من مهام بعثة "المينورسو". أما في الرباط، فقد شكل تعثر الجلسة فرصة لتأكيد الطرح المغربي القائل إن استمرار البعثة بصيغتها الحالية بات وضعاً متجاوزاً، فضلا عن إبراز حجم الدعم الدولي الواسع الذي يحظى به مقترح الحكم الذاتي داخل مجلس الأمن. ولكن هذا الارتياح لم يحجب عن المغرب أبعاد المفارقة الاستراتيجية؛ فالعرقلة الروسية وإن أربكت تثبيت مقترح الحكم الذاتي أممياً، لم تفرض خيار الأمر الواقع. وهذا ما حفّز الرباط للإقدام على خطوة مباغتة للخروج من فلك الاستقطاب بين القوى الكبرى، واجتراح مسار جديد خارج أروقة المبنى الزجاجي في نيويورك. هكذا، وبعد عقود من العمل لانتزاع "اعتراف أممي" بمخطط الحكم الذاتي بموجب القرار رقم 2797 (راجع للكاتب "المغرب وفخ القرار الأممي بشأن الصحراء"، "العربي الجديد، 19/11/2025)، قرّرت المملكة رفع غطائها السياسي عن استمرار وجود بعثة "المينورسو" (أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن 690 لسنة 1991) متجهة نحو سحب ملف الصحراء برمته من التداول الأممي.
قرار المغرب إسدال الستار على مسار الرعاية الأممية يترجم تحولاً استراتيجياً جذرياً يهدف إلى تكريس مقاربة الواقعية السياسية خارج أروقة نيويورك
لم يكن تعثر التصويت في مجلس الأمن مجرّد محطة عابرة، بل رصاصة الرحمة على المسار التقليدي لمعالجة ملف الصحراء، ما دفع المغرب إلى طي صفحة الانتظارية التي امتدّت 35 عاماً، رغم ما أبدته الرباط من تنازلات، وحصَد المقترح المغربي تأييد ثلثي أعضاء الأمم المتحدة والأغلبية المطلقة في مجلس الأمن. بناء عليه، باتت المنظمة الدولية خارج سياق مسار التسوية، فلم يعد مبرّراً عقد الاجتماعات الدورية أو إصدار تقارير الأمين العام التي تستهلك الوقت من دون إنهاء المعاناة الإنسانية للصحراويين.
خروج الملف من أروقة الأمم المتحدة لا يعني بالضرورة إنهاء النزاع بالضربة القاضية، بل يؤذن بالانتقال نحو مرحلة جديدة مفتوحة على مختلف السيناريوهات، بما فيها مخاطر التصعيد نتيجة غياب المراقبة الميدانية، فطالما شكلت "المينورسو"، ورغم تعثر مهمتها الأصلية، كابحاً حيوياً ورابطاً لرصد الأوضاع على الأرض، لا سيما منذ أواخر عام 2020 عقب إعلان جبهة بوليساريو التنصّل من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم عام 1991.
قرار المغرب إسدال الستار على مسار الرعاية الأممية ليس مجرّد مناورة تكتيكية لتجاوز حالة الانسداد داخل مجلس الأمن، بقدر ما يترجم تحولاً استراتيجياً جذرياً يهدف إلى تكريس مقاربة الواقعية السياسية خارج أروقة نيويورك. إذا كانت هذه الخطوة تُحرّر الرباط من دوامة الاستنزاف الدبلوماسي ورهانات الاستقطاب بين القوى الكبرى، فإنها في الوقت ذاته تلقي بظلال ثقيلة على المنطقة، عبر إدخالها في فراغ أمني ودبلوماسي شديد الحساسية. غياب البعثة بوصفها آلية مراقبة ميدانية يقلص المسافة الفاصلة بين الجمود السياسي والمواجهة المباشرة؛ لتفتح هذه الصفحة الجديدة مرحلة اختبار دقيقة تُصاغ معالمها وقواعد اشتباكها ميدانيا وإقليميا بمعزل عن الطاولات المستديرة وخطابات نيويورك.

