أثارت الفنانة اللبنانية إليسا جدلاً واسعاً إعلامياً بعد تداول مقطع من حفلها ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي في تونس، وخلاله قدم لها أحد الحاضرين كوفية فلسطينية في أثناء غنائها، سرعان ما التقطتها وتداولتها شمالاً ويميناً وعجناً بين يديها، ولم تستسلم أمام المعجبين. لم ترتدها، أو تعيد تشكيلها بإتقان ورهافة فنية، بل أعادتها إلى الجمهور من دون رغبة في التأثير الإيجابي، ما فتح باباً واسعاً لردّات فعل وتعليقات منقسمة في تفاعل رقمي، بين اعتبار تصرفها موقفاً سيئاً، وآخرين اعتبروا أنّ الواقعة لا تتحمّل الكثير من الردود والخلط بين الموسيقى والغناء والسياسة، ولا تكفي الواقعة وحدها للحكم على شخصيتها وتحويلها في اتّجاه معيّن، علماً أنها معروفة في الداخل اللبناني بانحيازها لمواقف سياسية ومفاهيم يمينية متطرّفة تجاه القضية الفلسطينية.
تحدُث تفاصيل كثيرة في المهرجانات الفنية، لكنّنا نحدس بأشياء من طبيعة الفنانة من خلال حفلات وتصريحات سابقة، منها تكرار قولها إنّ "مسألة العداء لإسرائيل مجرد كذبة ولا مشكلة بالسلام معها". وهذا نقاش سياسي آخر، وسبب انقسام واسع بين فريق كبير في المجتمع اللبناني يرفض إلغاء حالة العداء تلك، ما يحتاج إلى شرح وتفسير سوسيولوجي آخر. لكن هذه الواقعة ليست الحالة الوحيدة تحت مجهر الأضواء التي تتابعت بالتعليقات، وتأتي بعد صورة رجل الإعلام والمال نقولا الصحناوي، وهو يكسر تابو السلام مع إسرائيل في صورة تجمعه على مائدة واحدة في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارج أي إطار قانوني معمول به في لبنان يمنع التعامل مع العدو. صور تشبه الديالكتيك اللبناني الذي ينسج تفسيراتٍ وحججاً مختلفة للتطبيع، حدثاً أساسياً يواجه صعوبة في فن التكيّف السياسي. وهي أحوال تقول أشياء رمزية ومعلنة عند من يعتبرها أمراً طبيعياً، وحين تتحوّل إلى قصص تمرّد غريب عند الغوص في الحياة اليومية للبنانيين الذين يتجنّبون التفكير في كل هذه المآسي التي تحيط بهم، ويقيمون مهرجاناتهم الفنية الصيفية، كأن لا شيء يحدُث في بلاد الأرز. صورة محبطة من الفراغ السياسي والثقافي، بما يملكه من سلطة جديدة تقول إنّ الحقيقة هي الضحية الأولى للحرب أخيراً بين إسرائيل وحزب الله في معادلة الفوضى القيميّة/ الأخلاقية التي أحدثتها في أمزجة اللبنانيين المتباعدة.
لذلك؛ تأتي الصورة من تونس موضوعاً فنياً بتعليقاتٍ لا تنتهي بشأن أداءات إليسا، على مدى صحتها ومظهرها المتعثر على حافة كسر شعوري في الفني الذاتي الصريح. لكن الفرضيات وفيرة بالنسبة للمدافعين عنها، يمكن تخيّل أن السبب لديهم واضح وجلي عندما يتحدّثون عن تحرير الشعب اللبناني من النفوذ الفلسطيني والسوري والإيراني. وفي جوهر الأمر، يبدو أن كل شيء كان محضراً لإرضاء نوازع السفير الأميركي في تونس المتحدر من أصول لبنانية ريفية.
ليس هذا السبب الذي يمكن الاعتراض عليه. وإليسا كما غيرها لها حقها في التعبير والتفكير السياسي كما يحلو لها. فنانة عاطفية رومانسية بإحساس مذهل، ونجمة ذات شهرة واسعة، وبأجرٍ عالٍ، ويحضر حفلاتها جمهور كبير. لكن، هناك شد وجذب في موضوع يقع تحت وطأة تناقضات كاشفة، في أنه لم يعد يكفي الفنان(ة) أن يغنّي، أو يقدّم ألبومات غنائية ناجحة. فهو مطالب من الجمهور بأن يقدّم تفسيراتٍ عن مواقف يرتكب فيها خطأً في التعبير والتصرّف، أو في شؤون صحته، مظهره، وأحياناً لعيوب في الغناء والجسد، وحتى في أسباب غيابه. وهناك ثمن لكل شيء يدفعه الفنان نفسه في كل حركاته وألفاظه في زمن التفاعل الرقمي. وأي تغيير في المظهر، والملابس، والوزن، وطريقة الغناء، وصوره الشخصية، يتحوّل سريعاً مادّةً للتحليل والتأويل والتعليقات، باعتباره شخصية معنوية عامة. إليسا، غالباً ما تحظى بمتابعة أكثر من غيرها لشؤون تتعلق بأدائها الغنائي المسجل غالباً ولا يحتمل التجريب. يحدث هذا منذ انطلاقتها على يد المخرج التلفزيوني سيمون أسمر، أو ما احتاج ذات حين إلى فضاء تضامني كبير في مرحلة قديمة من خضوعها المبكّر للكشف عن حالة سرطانية جرى التعافي منها.
ما حصل في تونس واقعة خطأ فادح في التعبير والتعامل مع الكوفية الفلسطينية بالجرأة التوحشية، إلى درجة تظهر فيها لا تعرفها ورمزيتها، أو في التعامل بمرونة معها في هندسة طيّ ورد سلسلة، ويبدو تصرفها ساذجاً وعلى غباوة بشكلٍ لا يصدّق. بدل أن تكون مثل المغنيات الساحرات الغربيات اللواتي يغنينَ جيداً، حين يعقدن العلم الفلسطيني على أجسادهنً. وهنا تساؤل كبير حول السعة الثقافية ومدى المتابعة للأحداث بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة التي قتلت أطفال ونساء غزّة، ناهيك عن الحرب التدميرية الإسرائيلية على لبنان، ولا سيّما حين تقف نجمة أمام جمهور تونسي يهتم بنجوميتها، كما يهتم بفلسطين وبقصص صور وقرطاج وما يجمهما خلف البحر المتوسطي. فالاهتمام بالغناء والجمال مهم، والشعور بالحق والعدالة والحرية للشعوب يدخل أيضاً في قلب كل مغنٍّ جميل يصيب حياة الناس المعاصرة أكثر من أي شيء آخر.
لا يفقد الفنان(ة) إنسانيته حتى يصبح مشهوراً، ولا أن يتحوّل نجاحه إلى إساءة للدافع الشعوري الذي يستجد في كل العالم الذي يهتف بأعلى أصواته لفلسطين اليوم وغداً، ويصير الأغنية نفسها بشكلٍ منطقي، إلّا إذا كان عند إليسا منطق آخر لا نعرفه، ولا تريد الاعتذار عنه، متذرّعة بأنها واضحة وصادقة في مواقفها. فالإجابة هنا ليست ذكية كفاية، وتثير الشعور بالتعاسة على ضياع فرصة تواصل شفيف بين أغنية الحب والكوفية، وهو أمر يتكرّر في المهرجانات الدولية. في وقت المهرجانات العربية في الوضع الأسوأ بدونها. إنه زمن المآسي الغنائية الرطبة، ويطرح في الجوهر إعلانات الحاجة إلى أغنية تتحرك وتتصرّف بناء على الأمل الذي يعتري من يرتدون دثار لجوئهم السياسي إلى زمن الحرية في فلسطين، أمثال الأخوين رحباني وفيروز. وبعد الذي جرى، ما الذي يبقى للحديث عن معنى المسرح آخر مساحات التعبير عن الحرية وفكرة الجمهور والغناء والنجومية؟
يقظان التقي
العربي الجديد

