حين تكون وحدة الوطن أوسع من جراح السياسة
مقالات راي 23 أوت 2026

حين تكون وحدة الوطن أوسع من جراح السياسة

بقلم: ameurayed

في لحظات الأزمات الكبرى، لا يكون المطلوب من السياسي أن ينسى جراحه، ولا أن يتخلى عن قناعاته أو يتنازل عن حقه في النقد والمراجعة. المطلوب فقط أن يعرف متى تصبح الجراح الشخصية والحزبية أقل أهمية من مصلحة الوطن، ومتى يتحول الخلاف السياسي من اختلاف مشروع إلى وقودٍ لانقسام اجتماعي وسياسي لا يستفيد منه أحد.

ومن هذا المنطلق، فإن التضامن مع كل معتقلي الرأي، دون استثناء ودون انتقائية، ليس موقفًا حزبيًا ولا مجاملة سياسية. الحرية لا تكون حرية إذا دافعنا عنها عندما تخص أصدقاءنا فقط، وسكتنا عنها عندما تصيب خصومنا. والعدالة لا تتجزأ بحسب الموقف السياسي لصاحبها.

لذلك، فإن التضامن مع سيف الدين العرفاوي، كما مع غيره من المعتقلين بسبب مواقفهم أو آرائهم السياسية، هو قبل كل شيء دفاع عن مبدأ ينبغي أن يكون جامعًا: لا يجوز أن تتحول الاختلافات السياسية إلى مبرر لسلب الحرية أو الانتقام السياسي.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن المعتقلين لا يعني إلغاء النقد، ولا إعفاء أي طرف من مراجعة تجربته وأخطائه. حركة النهضة، مثل غيرها من القوى السياسية، مطالبة بالنظر بجرأة إلى تجربتها، إلى خياراتها، إلى تحالفاتها، وإلى الأخطاء التي رافقت مسارها. والمراجعة الجادة ليست خيانة للتاريخ، كما أن الاعتراف بالأخطاء ليس هزيمة؛ بل قد يكون شرطًا لاستعادة الثقة وبناء المستقبل.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد السياسي الضروري وبين تحويل الذاكرة السياسية إلى سجل دائم للثأر.

لقد أخطأ كثيرون، وتحالف كثيرون مع من اختلفوا معهم لاحقًا، وتغيرت مواقف كثيرة تحت ضغط الظروف والتحولات. وهذه طبيعة السياسة. وإذا كان المطلوب من كل سياسي أن يظل أسيرًا لكل موقف اتخذه في الماضي، فلن يبقى في الساحة السياسية إلا من لم يغير موقفًا واحدًا في حياته، وهؤلاء قد يكونون الأكثر اتساقًا مع أنفسهم، لكنهم ليسوا بالضرورة الأكثر قدرة على بناء التوافق أو إدارة الاختلاف.

السياسة تحتاج إلى ذاكرة، نعم؛ لكنها تحتاج أيضًا إلى قدرة على التجاوز.

ومن هنا أعتقد أن على جزء من أنصار الحركة، في هذه المرحلة، أن يتعالوا على جراحهم، لا بمعنى نسيان ما تعرضوا له أو التنازل عن حقوقهم، وإنما بمعنى عدم السماح للألم بأن يتحول إلى موقف دائم من المجتمع والسياسة والآخر.

لقد عانى النهضويون كثيرًا، ودفع عدد كبير منهم أثمانًا شخصية وعائلية وسياسية باهظة، وهذا أمر لا ينبغي إنكاره أو التقليل منه. لكن تحويل هذه المعاناة إلى مبرر دائم للقطيعة أو الكراهية لن يعيد لهم حقوقهم، ولن يخدم البلاد، ولن يفتح طريقًا للخروج من الأزمة.

بل إن أعظم انتصار سياسي يمكن أن تحققه حركة أو تيار تعرض للظلم هو أن يثبت أن تجربته لم تنتج الحقد، وإنما أنتجت قدرة أكبر على التسامح السياسي، وعلى التمييز بين الخصم والمواطن، وبين الاختلاف والعداء، وبين المحاسبة والانتقام.

وفي هذا السياق تحديدًا، يجب الحذر من بعض الأصوات التي تحاول احتكار الحديث باسم الحركة أو جمهورها، بينما تدفع باستمرار نحو خطاب يقوم على التشفي والشيطنة واستعادة الأحقاد القديمة.

ليس كل من يرفع شعار الدفاع عن النهضة يعبر بالضرورة عن مشروعها الفكري والسياسي، كما أن ارتفاع الصوت لا يعني بالضرورة صحة الموقف.

الحركات السياسية الكبرى تُقاس أيضًا بقدرتها على ضبط خطاب أنصارها، وبقدرتها على التمييز بين من يريد لها أن تستعيد دورها الوطني، ومن يريد أن يستخدم اسمها لإدامة الخصومات وإعادة إنتاج الانقسام.

إن مستقبل أي مشروع سياسي لا يمكن أن يبنى على كراهية نصف المجتمع، ولا على إلغاء الخصوم، ولا على تحويل كل اختلاف إلى معركة وجودية.

وإذا كان المطلوب اليوم هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحياة السياسية التونسية، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء مساحات مشتركة بين المختلفين: الدفاع عن الحريات، رفض الظلم، المطالبة باستقلال القضاء، حماية المجال السياسي، واستعادة الحد الأدنى من الثقة بين التونسيين.

هذه القضايا أكبر من أي حزب، وأوسع من أي قيادة، وأهم من أي جرح سياسي.

لذلك، التضامن مع المعتقلين لا يتناقض مع مراجعة النهضة لتجربتها، ومراجعة النهضة لتجربتها لا تعني التنكر لمناضليها، والتعالي على الجراح لا يعني نسيانها.

المطلوب ببساطة أن ننتقل من سياسة الثأر إلى سياسة المسؤولية، ومن استحضار الماضي لتجريم الحاضر إلى استحضار الماضي لفهم أخطائنا وتجنب تكرارها.

وتونس اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تبحث عن عدو جديد، وإنما إلى سياسيين قادرين على مدّ اليد حتى إلى من اختلفوا معهم، وإلى خصوم قادرين على الاعتراف بإنسانية خصومهم.

فقد تكون أعظم خدمة يمكن أن يقدمها أبناء أي حركة سياسية لتاريخها، في لحظة محنتها، ألا يسمحوا لبعض الأصوات بأن تختزلها في خطاب الكراهية.

البلاد أكبر من جراحنا، والحرية أكبر من أحزابنا، والمستقبل لا يُبنى إلا عندما نتعلم جميعًا أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.

رياض الشعيبي

شارك هذا المقال: