حكم الشعب الذي ينتهي في تونس عند الرئيس
مقالات راي 16 أكتوبر 2026

حكم الشعب الذي ينتهي في تونس عند الرئيس

بقلم: ameurayed

خليل البرعومي

أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد في نهاية الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) أربعة مراسيم، شملت هيئة الانتخابات والمجالس البلدية والمرسوم 54 المتعلق بجرائم النشر والاتصال، إلى جانب الصلح الجزائي. وجاءت هذه التعديلات بعد أكثر من خمس سنوات على انفراد الرئيس بالسلطة، وفي وقت تستعدّ فيه تونس لإحياء ذكرى 17 ديسمبر؛ اليوم الذي انطلقت فيه احتجاجات الثورة سنة 2010. وتكشف قراءة المراسيم مجتمعة اتجاهاً واضحاً، إذ يواصل الرئيس إعادة تشكيل المؤسّسات وفق تصوّره الخاص للحكم، بينما يقدّم تعديلاً محدوداً على أحد أكثر النصوص القانونية إثارةً للجدل في الحريات.

وسّع المرسوم المتعلق بهيئة الانتخابات تركيبةَ مجلسها من سبعة إلى تسعة أعضاء، وحدّد مدة العضوية بست سنوات غير قابلة للتجديد، مع تجديد الثلث كل سنتين. وأبقى اختيار الأعضاء وتعيينهم في نهاية المطاف بيد رئيس الجمهورية، الذي يعين كذلك رئيس الهيئة من بين أعضائها. وبرّر الناطق باسم الهيئة محمد التليلي المنصري التعديل بضرورة ملاءمة القانون مع دستور 2022، وهي حجة صحيحة من حيث مطابقة النصوص، لكنها تتجاوز السؤال السياسي الأهم المتعلق باستقلال المؤسسة المكلفة بتنظيم الانتخابات والإشراف على نزاهتها. فقد كانت هيئة الانتخابات من أبرز المؤسسات التي نشأت بعد الثورة لضمان عدم احتكار السلطة السياسية إدارة الاقتراع. وتعرّضت هذه الاستقلالية إلى تراجع جوهري منذ تعديل تركيبتها سنة 2022، ثم جاء المرسوم المعلن أخيراً ليكرّس الدور الحاسم للرئيس في تشكيل مجلسها. ويصبح الخلل هنا مؤسّسياً قبل أن يتعلق بأسماء الأعضاء أو نزاهتهم الشخصية، لأن الرئيس الذي يخوض الانتخابات أو يرتبط مستقبله بنتائجها يمتلك، في الوقت نفسه، سلطة اختيار من يديرونها. وتقوم الثقة في الانتخابات على استقلال قواعدها ومؤسساتها عن المتنافسين، وليس على افتراض حياد أشخاص اختارهم أحد هؤلاء المتنافسين.

تتكرّر المفارقة بصورة أخرى في المرسوم المنظم للمجالس البلدية. فقد أعاد النص وضع إطار قانوني لعمل البلديات بعد حل المجالس المنتخبة سنة 2023، لكنه منح الوالي؛ ممثل السلطة المركزية، صلاحياتٍ واسعة في الرقابة على قراراتها. وتحتاج قرارات أساسية تتعلق بالميزانية والاستثمار والاقتراض والتهيئة العمرانية إلى مصادقته، كما يستطيع الاعتراض على قرارات المجلس وإلغاءها وفق الشروط المحددة قانوناً. ويملك وزير الداخلية بدوره صلاحيات إيقاف رؤساء المجالس أو إعفائهم في حالات معينة، فضلاً عن إجراءات حل المجالس.

تحتاج البلديات بالتأكيد رقابة قانونية ومالية تمنع التجاوزات وتحمي المال العام، وقد كشفت التجربة السابقة اختلالات حقيقية في أداء عدد منها. لكن الرقابة التي تجعل القرار المحلي معلقاً بصورة واسعة على موافقة ممثل السلطة المركزية تضعف المعنى السياسي للانتخاب. ويصبح المواطن مدعوّاً إلى اختيار ممثليه المحليين، بينما تظل قدرتهم على اتخاذ القرارات الأساسية مرتبطة بالإدارة التي يعينها الحكم المركزي.

وتكشف هذه الهندسة تناقضاً مع الخطاب الذي بنى عليه قيس سعيد مشروعه منذ 2021. فقد وعد بإعادة السلطة إلى الشعب من خلال البناء القاعدي والمجالس المحلية والجهوية، وانتقد الديمقراطية التمثيلية باعتبارها قد أبعدت المواطن عن القرار. لكن المؤسسات التي تتشكل تباعاً تعيد تركيز الصلاحيات في أعلى الدولة، حتى عندما تتحدث عن المشاركة من أسفلها. وهكذا يتسع حضور الشعب في خطاب الشرعية، بينما تضيق قدرته الفعلية على مراقبة السلطة وتغيير قراراتها.

يمتد هذا التناقض إلى مجال الحريات من خلال تعديل الفصل 24 من المرسوم 54، الذي استعمل خلال السنوات الماضية لملاحقة صحافيين وسياسيين ونشطاء، بسبب تصريحات ومنشورات. فقد ألغى التعديل العقوبة السجنية في المخالفة الأولى، وعوّضها بخطية تراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار، لكنه أبقى السجن لمدة ستة أشهر والخطية المرتفعة في حالة العود. ويمثل حذف السجن في الحالة الأولى تخفيفاً ينبغي الاعتراف به، لكنه يبقي جوهر الإشكال قائماً، لأن العقوبات المالية الثقيلة يمكن أن تؤدّي بدورها إلى ردع الصحافيين والمواطنين عن ممارسة حقهم في التعبير.

يطرح التعديل مسألة أكثر إلحاحاً تتعلق بمصير الذين حوكموا وسجنوا بموجب النص السابق. فقد طالبت منظمات حقوقية ونقابية مراراً بإلغاء الأحكام التي تسمح بتجريم الرأي، بينما لم يتضمن التنقيح معالجة شاملة لأوضاع المتضررين أو مراجعة للملفات التي صدرت فيها أحكام نهائية. ويظل مصير كل حالة مرتبطاً بوضعها القضائي والقواعد القانونية المنطبقة عليها. لذلك يصعب اعتبار التخفيف تصحيحاً كاملاً لمسار ترك وراءه أحكاماً سجنية وملاحقات وأضراراً مهنية وإنسانية.

وتتضح الصورة عند جمع هذه المراسيم بدلاً من قراءة كل واحد منها بمعزل عن الآخر. ففي الانتخابات تتعزز سلطة الرئيس على المؤسسة المنظمة للاقتراع، وفي البلديات تتسع رقابة الإدارة المركزية على القرار المحلي، وفي الحريات يجرى تخفيف إحدى أدوات الردع مع الاحتفاظ بإمكانية العقاب. وتبدو السلطة مستعدة لتعديل بعض الوسائل التي أثارت انتقادات واسعة، لكنها تحافظ على البنية السياسية التي أنتجتها.

يأتي هذا مع اقتراب 17 ديسمبر؛ ذكرى انطلاق احتجاجات الثورة من سيدي بوزيد، حين طالب التونسيون بالكرامة والحرية والعمل ووضع حد لسلطة لا تخضع للمحاسبة. وبعد ستة عشر عاماً، يعود النقاش إلى مسائل اعتقد التونسيون أنهم حسموا اتجاهها: استقلال الانتخابات، وحق المواطنين في إدارة شؤونهم المحلية، وحرية نقد الحاكم.

تواجه تونس اليوم أزمة تتجاوز المراسيم نفسها، لأن تركيز القرار لم ينتج التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي وعدت به السلطة، بينما تتراكم مشكلات الخدمات والقدرة الشرائية والبطالة وتتراجع مساحات المساءلة. ويصبح استمرار الحكم معتمداً بصورة متزايدة على السيطرة على المؤسسات بدلاً من بناء الثقة في أدائها. وتكشف المراسيم المعلنة أخيراً حدود مشروع يقدم نفسه تعبيراً مباشراً عن إرادة الشعب، لكنه يجعل ممارسة هذه الإرادة خاضعة في محطات أساسية لقرار الرئيس أو ممثلي السلطة المركزية. ومع اقتراب ذكرى الثورة، تستعيد تونس سؤالاً تأسيسياً لم يفقد راهنيته: كيف يمارس الشعب سيادته إذا كانت المؤسّسات التي تنتخب باسمه، وتدير انتخاباته، وتحدد حدود حريته، تعود في النهاية إلى مركز السلطة نفسه؟

الراي اليوم

شارك هذا المقال: