حتى لا يولد هذا المجلس معاقاً
مقالات راي 23 أوت 2026

حتى لا يولد هذا المجلس معاقاً

بقلم: ameurayed

الجميع، ويروه مكسباً مهمّاً وخطوة استراتيجية "ستحدد مستقبل المدرسة والجامعة والتكوين والبحث العلمي في تونس"، لكن ما حصل هو العكس تماماً. إذ ثار جدل واسع، وطُرحت أسئلة كثيرة، واستمر المعارضون في احتجاجاتهم، كان جديدها أخيراً مسيرة الخميس الماضي، التي جدّدوا فيها مطالبتهم بسقوط النظام. فما القصة؟

هناك من يعتقد أن الذين انتقدوا هذه الخطوة فعلوا هذا لأن صاحبها هو الرئيس قيس سعيّد الذي يناصبونه العداء، ومهما فعل، فسيقدحون في جدّية عمل المؤسسة، وسيشكّكون في أهميتها، ويحكمون عليها مسبقاً بالفشل قبل اختبارها. لهذا، سارع هؤلاء إلى القدح في المؤهلات العلمية لأعضاء المجلس، واعتبروا أن توفر الولاء السياسي كان المحدّد الرئيسي لاختيارهم. حتى إن بعضهم، مثل الناشطة نجيبة رجيبة، وجهت رجاءً إلى الرئيس، بأن يعفي قطاعي التربية والتعليم مما سمّتها "أفكاره الجديدة"، بحجة أنهما "يمثلان قطاعاً حيوياً ومستقبلياً لا يحتمل مزيداً من الهياكل والتجارب". ووصفت المجلس بأنه "قلعة فارغة تضاف إلى سابقاتها".

لا خلاف في أهمية التربية والتعليم في بناء الفرد وحماية المجتمع من التفكك والانهيار. وقد سبق أن طالبت أطراف عديدة قبل الثورة وبعدها بضرورة إصلاح هذا القطاع، لكن الارتجال بقي سيد الموقف، رغم توالي الأزمات وتدنّي النتائج. تكفي الإشارة إلى تقرير "تصنيف شنغاي" الصادر أخيراً، الذي تضمّن أفضل ألف جامعة في العالم، وخلا هذه السنة من أي جامعة تونسية. لهذا، كان من الضروري أن يقدم رئيس الدولة على خطوة من هذا القبيل بحجة إنقاذ التعليم من "عبث المهرّجين وحسابات السياسيين".

من المهم التشديد على رفض "إملاءات الخارج" كما حصل من قبل حسب اعتقاد الرئيس. وبقطع النظر عن التقييمات المتباينة للتجارب السابقة منذ الاستقلال، سيبقى المستقبل غامضاً وضبابياً في ضوء غياب معالم واضحة لهذا الإصلاح المنشود، ومن سيضعه، ومن سيساهم فيه، ومن سينفذه، ومن سيقيم نتائجه، وما الخطوط العريضة التي سيُعتمَد عليها؟ فأصحاب التجارب السابقة اعتمدوا على "سياسة عامّة ومخرجات بيداغوجية ومعرفية، وحتى اجتماعية قابلة للتحقيق".

إعادة صياغة عقول الأجيال القادمة من التونسيين ليست مهمة سهلة في ضوء التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية. لا يكفي القول إن التعليم يجب أن يكون "وطنياً وديمقراطياً" في غياب مشاركة واسعة من المربّين، ومن دون وضع مناهج متطورة، ومن دون انفتاح حقيقي على العالم، وفي ظل انقسامات حادة وعميقة بين مختلف الأطراف، وفي ظل انهيار البنى التحتية للمؤسّسات التعليمية، مع وجود شحّ مخيف في الموارد المالية. فلأول مرة يُبعَد الاتحاد العام التونسي للشغل عن المشاركة في قطاع تتمتّع فيه النقابات بثقل كبير، وسيكون المربون هم المنفذين للبرامج والتوصيات التي ستصدر عن المجلس. فالاستقلالية بحكم القانون الأساسي للمجلس، وأما التشاركية فغير واردة، حيث لم يُدعَ أي هيكل وازن إلى إبداء الرأي. فإلى أي مدى ستكون السلطة التنفيذية قادرة على أن تفصل بين أزمة مجتمعية معقدة ولجنة مصغرة معزولة لا تملك صلاحية القرار، ستكون مهمتها ترجمة ما يريده رئيس الدولة.

تفتقر تونس إلى الوحدة الداخلية التي تربط مختلف قطاعات المجتمع، ما جعلها أشبه بالجزر المستقلة عن بعضها. وهو ما يقتضي تهيئة الجميع لحوار مجتمعي حر، وفي الآن نفسه، موجّه نحو الوصول إلى رؤية وسياسة تعليمية مشتركة، تخضع لها بقية الوحدات والمؤسسات.

إرساء هذا المجلس قرار صائب، وشرط رئيس من شروط تحقيق النهضة، لكنه سيبقى بمثابة طائر خشبي تنقصه شروط الحياة والطيران. يمكن التضحية بجيل أو جيلين، لكن لا يجوز التضحية بمستقبل شعب تعب كثيراً من الارتجال والتيه

صلاح الدين الحورشي

العربي الجديد

شارك هذا المقال: