في ظل مؤشرات على أن الساحة التونسية متجهة لحراك متصاعد ضد السلطة مع إعلان منظمات تونسية، على رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، تنظيم مسيرة شعبية في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، دفاعاً عن الحريات والشغل والقدرة الشرائية، برزت أيضاً دعوة 8 أحزاب تونسية، اجتمعت يوم الخميس الماضي، إلى مرحلة انتقال ديمقراطي جديد، مع تنديدها بالمحاكمات السياسية، وتأكيد مواصلة نضالها من أجل وضع حدّ لحالة العبث التي تعيشها البلاد، وطيّ صفحة الحكم الفردي المطلق، وتجاوز المسار الانقلابي لسلطة 25 يوليو. وقالت إنها، بوصفها أحزاباً ديمقراطية تقدمية اجتماعية ويسارية، تسعى إلى بناء مشروع وطني ذي مضمون اجتماعي، ضامن للحقوق والحريات ويقاوم الاستبداد ويقطع مع المشاريع الرجعية.
مسيرة احتجاجية في تونس
وقال الأمين العام لاتحاد الشغل صلاح الدين السالمي، يوم السبت الماضي، على هامش مؤتمر لنقابة الصحافيين، إنه "عندما تُغلق السلطة باب الحوار، فإن الحوار ينتقل إلى الشارع"، معلناً عن "تنظيم مسيرة وطنية اجتماعية وسلمية (في 17 أكتوبر) برفقة مكونات من المجتمع المدني والمنظمات".
من جهتها، كانت أحزاب المسار، والقطب، والاشتراكي، والعمال، والتيار الديمقراطي، والجمهوري، وآفاق تونس، والتكتل، تجتمع الخميس الماضي لإعلان موقف معارض للسلطة ومسارها، لكن إقصاء حركة النهضة من اجتماع الأحزاب الثمانية أثار جدلاً واسعاً، كما طرح تساؤلات إن كان هذا الإقصاء يحمل رسائل لإجبار "النهضة" على التراجع أم متطلبات فرضها المشهد السياسي الجديد. ولم تعلن "النهضة" بعد موقفها بوضوح من ذلك، وما إن كانت ستشارك في مسيرة 17 أكتوبر أم لا.
وقال المنسق العام لحزب المسار جنيدي عبد الجواد، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن حركة النهضة "تتحمّل مسؤولية كبيرة في الأزمة التي عاشتها البلاد، وقد حكمت بعد الثورة وتعاملت مع الحكم بمنطق الغنيمة، رغم أن الثورة لم تقدها الأحزاب، بل كانت تلقائية وقادتها الجهات المهمشة والمنسية"، موضحاً أنهم "لا يملكون المشروع نفسه وتم التصدي إبان الثورة للمشروع الذي حاولت النهضة تمريره". وتابع أنهم لا يحملون الأفكار نفسها ولا التوجهات، ورغم ذلك فإنهم مع محاكمات سياسية تحترم القانون والشفافية لأغلب القادة السياسيين المسجونين.
وحول مسيرة 17 أكتوبر، بيّن عبد الجواد أنهم سيشاركون في هذا الحراك الذي يقوده الاتحاد التونسي للشغل والمنظمات والأحزاب التي يتفقون معها في الأهداف والتوجهات، أي القوى الديمقراطية. وأضاف أن هذه المسيرة تذكّر بمسيرة اتحاد الشغل في يناير/كانون الثاني 2011 بعد أن أعلن الاتحاد عن إضرابات مناطقية، ومسيرات في المناطق، توجّت بمسيرة حاشدة يوم 14 يناير 2011 في تونس العاصمة وكانت بمشاركة محامين وعدة منظمات وطنية كبرى، مشيراً إلى أن هذه القوى سبق أن ناضلت في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وأيضاً في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، واليوم قد تجتمع مجدداً في الشارع ضد الاستبداد، مضيفاً أن ذلك لن يكون بالانسجام والقوة نفسهما، ولكنها خطوة إيجابية لإخراج البلاد من مأزق الحكم الفردي.
من جهته، أكد القيادي في حركة النهضة رياض الشعيبي أن غياب "النهضة" عن هذا الاجتماع لا يعني غيابها عن المعركة من أجل استعادة الديمقراطية، ولا تراجعها عن دعم التحركات الميدانية المناهضة للانقلاب. وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد" أن الحركة لم تغيّر موقفها المبدئي الداعي إلى توحيد جهود المعارضة والعمل المشترك رغم الاختلافات الحزبية، أما أسباب عدم مشاركتها في هذا الاجتماع تحديداً، فينبغي توضيحها من قبل الأطراف التي تولّت تنظيمه وهي التي حددت قائمة المشاركين. وقال: "نحن نرفض أن يتحوّل الاختلاف السياسي إلى إقصاء، لأن مواجهة الاستبداد تتطلب توسيع دائرة التنسيق لا تضييقها".
الشعيبي: نرفض أن يتحوّل الاختلاف السياسي إلى إقصاء، لأن مواجهة الاستبداد تتطلب توسيع دائرة التنسيق لا تضييقها
وحول المشاركة في مسيرة 17 أكتوبر من عدمها، أوضح الشعيبي أن موقف حركة النهضة يندرج ضمن موقف جبهة الخلاص، وهو مبني على سياسات واضحة تقوم على دعم كل التحركات الميدانية المناهضة للانقلاب، والتشجيع المتواصل على العمل المشترك بين مختلف القوى السياسية والمدنية، بغضّ النظر عن اختلاف الأحزاب وتباين مرجعياتها، مضيفاً: "المعركة من أجل استعادة الديمقراطية والحريات أوسع من أن يحتكرها طرف أو تُعطّلها الخلافات".
وعلّق الوزير السابق القيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام في تدوينة له قائلاً: "المهم أن يتحركوا ضد الانقلاب الذي انقلب عليهم، فبغضّ النظر عن كل الحسابات الصغيرة، تظل النهضة جزءاً راسخاً في المعادلة السياسية بالأمس واليوم وغداً، ولا أحد يستطيع تجاوزها، وهي أول من سمى الأشياء بأسمائها وهي أكثر من دفع ثمن مقاومة الانقلاب، وهذه الحقائق لا يمحوها الزمن". وأضاف: "لست مخولاً ولا مفوضاً بأن أطلب من أحد أن يشارك أو لا يشارك في تحركات 17 أكتوبر، فكل يقدر موقفه بمقتضى إرادته وحريته، ولكن ما أوصي به ألا ننشغل بالمعارك الجانبية والمناوشات الأيديولوجية".
هل من محاولة لإقصاء "النهضة"؟
أما القيادي في الحزب الجمهوري المولدي الفاهم، فأكد في حديث لـ"العربي الجديد" أن إقصاء "النهضة" من المشهد غير ممكن، وأن الإقصاء لأسباب أيديولوجية غير مقبول، مضيفاً أن "حساسية البعض المفرطة تجاه النهضة غير مبررة، لأن الالتقاء على الحد الأدنى الديمقراطي يجمع الجميع"، مؤكداً أنهم عندما حضروا هذا الاجتماع لم يكن لديهم علم بإقصاء "النهضة". ولفت إلى أن "لكل توجهاته وبرامجه السياسية، وتبقى "النهضة" مكوّناً من المشهد السياسي التونسي، والأنسب التعايش السلمي والحد من الإقصاء والتطرف يميناً ويساراً، فتونس مبنية على الاختلاف"، مؤكداً أن "النهضة سبق أن انسحبت رغم فوزها بالحكم وهذا يحسب لها، وبالتالي يجب أن يكون التنافس في إطار ديمقراطي ويتم الاحتكام للصندوق".
وفي قراءته للمشهد القائم، أكد المحلل والباحث السياسي الأمين البوعزيزي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "تونس مقبلة على خريف غضب حقيقي نتيجة الضرر الاجتماعي، فموجات الغضب الأولى التي ظهرت بعد 25 يوليو 2021 كانت دفاعاً على الديمقراطية، أما الآن فالكل تقريباً متضرر من الانقلاب، فلا منجز اجتماعي ولا حريات، وبالتالي هو خريف يحمل عدة تغيرات، والخروج إلى الشارع يبدو موضوعياً أكثر".
الأمين البوعزيزي: الكل تقريباً متضرر الآن من الانقلاب، فلا منجز اجتماعي ولا حريات
وبيّن البوعزيزي أن ما يمكن ملاحظته أن "النهضة" ربما تلقت الرسالة بضرورة التراجع وعدم الوجود في الصفوف الأمامية، وهو ربما خيار استراتيجي لأنه ليس من الضروري أن تكون في الواجهة، خصوصاً بعد اعتقال محتجين في مسيرة لمساندة موقوفي "أسطول الصمود" من بينهم ناشطين من "النهضة"، ما يعني أن البروز في أي حراك مقبل يعني السجن، وبالتالي "النهضة" غير مستعدة للمزيد من الاعتقالات، مشيراً إلى أن وجودها إن كان معطلاً للمعارضة فالتراجع يكون أفضل.
ورأى أن "الأهم من كل ذلك أن مساندي مسار 25 يوليو، والمترددين سابقاً، التحقوا بالمعارضين، لأن الاستبداد طاول الجميع من مساندين ومناشدين"، مؤكداً أن الضرر الجماعي دفع إلى نوع من الاستفاقة وإلى إصدار الأحزاب الثمانية بينها، متحدثة صراحة عن انقلاب وعن حكم فردي، ومحاكمات سياسية. وتابع أنه لا يعتبر أن ما يحصل هو إقصاء لـ"النهضة" لأن هناك أحزاباً عدة لم تكن مدعوة إلى الاجتماع أيضاً، من ذلك الدستوري ووفاء وحزب الإرادة ومكونات سياسية أخرى، وبالتالي هو نوع من الاصطفاف، أي أن المجتمعين اختاروا الاشتغال وحدهم، وهم يرون عدم ترك المنظومة نفسها التي حكمت سابقاً، مؤكداً أن النهضة تتحمل سياسياً وأخلاقياً مسؤولية الأخطاء التي وقعت بعد الثورة، ويتحمل كل طرف حكم حينها جزءاً من المسؤولية. وقال إن اتحاد الشغل تضرر بدوره من الانقلاب وما مر به من تهميش لم يعرفه مع أي سلطة سابقاً، مؤكداً أن هذا ما يفسر دخوله في الحراك الاجتماعي وحتى في المعارضة.
العربي الجديد

