: حين تتقاطع أزمة الداخل وقلق الخارج
ليس الإفراج عن عبد الكريم الهاروني ثم أحمد العماري حدثين يمكن عزلهما عن سياقهما السياسي، ولا يكفي التعامل معهما باعتبارهما مجرد تطورين في مسارين قضائيين. فدلالتهما، بصرف النظر عن أسبابهما القانونية المباشرة، تكتسب أهميتها من توقيتهما، ومن المناخ السياسي الذي يأتيان فيه، ومن تزامنهما مع عودة الاهتمام الدولي بمآلات التجربة التونسية.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هذه الإفراجات مؤشراً على انفراج سياسي، وإنما ما إذا كانت تونس تدخل مرحلة جديدة بدأت فيها حسابات السلطة والفاعلين السياسيين والقوى الخارجية تتغير تحت ضغط أزمة متعددة الأبعاد.
فالإفراج عن الهاروني، أحد أبرز قيادات حركة النهضة، وعن العماري، لا يعني بالضرورة مراجعة سياسية لملف المعارضة أو تحولاً في مقاربة السلطة للخصوم. كما لا يجوز القفز إلى استنتاج وجود ضغوط خارجية مباشرة وراء هذه القرارات. غير أن وضعها في سياقها العام يجعلها جزءاً من مشهد يستحق القراءة، خاصة مع تزايد الانتقادات الدولية للمسار التونسي.
في هذا السياق، يكتسب مقال معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي دعا الولايات المتحدة إلى الحذر والتحرك إزاء ما اعتبره تدهوراً في الوضع التونسي، أهمية خاصة. فالمسألة لم تعد مقتصرة على انتقاد التراجع الديمقراطي وتضييق المجال السياسي، بل امتدت إلى التشكيك في قدرة النموذج القائم على توفير الاستقرار الاقتصادي والمؤسساتي. والأكثر دلالة أن النقاش بدأ يتناول احتمالات الانتقال السياسي المنظم، باعتباره أحد المخارج الممكنة من حالة الانسداد.
وبالتوازي، أعاد مقال موقع «الحرة» حول «الثورة التونسية التي لم تكتمل» طرح السؤال المؤجل منذ 2011: ماذا تحقق من مطالب الحرية والكرامة والتشغيل؟ فبعد خمسة عشر عاماً، لا تزال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة، بل إن بعضها أصبح أكثر تعقيداً. كما أن صحيفة «La Libre Belgique» أعادت، من خلال سؤالها عن المدى الذي ستواصل فيه أوروبا غض الطرف، تسليط الضوء على التناقض بين الخطاب الأوروبي المعلن بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين حسابات المصالح والأمن والهجرة التي تحكم علاقته بالسلطة التونسية.
هذه المواقف لا تعني أن واشنطن أو العواصم الأوروبية قررت تغيير النظام في تونس، ولا أنها تمتلك تصوراً موحداً لمرحلة ما بعد قيس سعيّد. لكنها تكشف عن تراجع الاطمئنان إلى استدامة الوضع القائم، وعن انتقال النقاش من كيفية التعامل مع السلطة الحالية إلى التفكير في المخاطر التي قد تترتب عن استمرار الانسداد.
والواقع أن الأزمة التونسية لم تعد مجرد أزمة سياسية بين السلطة ومعارضيها. إنها أزمة نموذج حكم وقدرة على إدارة الدولة. فاقتصادياً، تواجه البلاد اختلالات مالية وهيكلية، وتراجعاً في الاستثمار، وضغطاً متزايداً على القدرة الشرائية، وأزمات في الخدمات الأساسية والتشغيل. واجتماعياً، يتسع الإحباط وتتراجع الثقة في قدرة الدولة على تحسين شروط الحياة. أما مؤسساتياً، فإن ضعف التوازن بين السلطات وتراجع استقلالية المؤسسات وتضييق المجال العام يجعل تصحيح الأخطاء أكثر صعوبة.
لقد صعد قيس سعيّد مستفيداً من فشل المنظومة التي نشأت بعد الثورة، ومن خيبة أمل قطاعات واسعة في الأحزاب والبرلمان والتوافقات السياسية. لكنه يجد نفسه اليوم أمام مفارقة أن المطالب التي صنعت صعوده ما تزال معلقة: التشغيل والعدالة الاجتماعية ومقاومة الفساد وتحسين الخدمات. فالتغيير في شكل الحكم لم يتحول، حتى الآن، إلى تحول ملموس في حياة التونسيين.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فالسلطة لم تعد تواجه معارضة سياسية فحسب، وإنما تواجه أيضاً امتحان النتائج. والشرعية، مهما كان مصدرها، لا يمكن أن تظل معلقة إلى ما لا نهاية على نقد الماضي أو استحضار أخطاء خصوم الأمس. كما أن إدارة الدولة بمنطق التركيز المستمر للسلطة وإضعاف الوسائط السياسية والمؤسساتية قد توفر هامشاً للقرار، لكنها لا تنتج بالضرورة قدرة على حل الأزمات.
في المقابل، لا تبدو المعارضة في وضع يسمح لها بالاستفادة تلقائياً من تآكل الثقة في السلطة. فهي لا تزال مثقلة بانقساماتها وبإرث تجربتها السابقة، ولم تنجح في بلورة مشروع بديل يحظى بثقة اجتماعية واسعة. كما أن الاكتفاء بالدفاع عن الحريات والموقوفين، على أهمية ذلك، لا يعوض الحاجة إلى برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي واضح. فالتونسيون لا يبحثون فقط عن العودة إلى ما قبل 25 جويلية، وإنما عن ضمان ألا تتكرر إخفاقات تلك المرحلة.
من هنا، فإن أفق التغيير في تونس يظل مفتوحاً على ثلاثة احتمالات: استمرار الوضع القائم مع تعديلات محدودة لامتصاص الاحتقان؛ أو انفتاح سياسي تدريجي تفرضه الضغوط الداخلية والخارجية؛ أو تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بما يجعل التغيير نتيجة اضطرارية لا ثمرة توافق سياسي.
والخيار الثاني هو الأقل كلفة على البلاد، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تتجاوز منطق الإقصاء، وإلى معارضة تتجاوز منطق استعادة الماضي، وتلتقي الأطراف المختلفة حول ضمانات الانتقال السلمي والتنافس الديمقراطي واستقلال القضاء وإصلاح الاقتصاد.
إن الإفراج عن الهاروني والعماري قد يكون مؤشراً على تغير في إدارة بعض الملفات، لكنه لا يكفي للحديث عن انفراج ما لم يترافق مع مراجعة أوسع للسياسات والممارسات. كما أن النقد الأمريكي والأوروبي لا ينبغي أن يتحول إلى رهان على الخارج، فالقوى الدولية تتحرك أساساً وفق مصالحها، وقد تتعايش مع أنظمة مأزومة ما دامت تضمن لها الحد الأدنى من تلك المصالح.
في النهاية، ليست المشكلة التونسية في شخص الحاكم وحده، ولا في عودة هذا الطرف السياسي أو غياب ذاك، بل في غياب صيغة حكم قادرة على الجمع بين الشرعية السياسية والفاعلية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. لقد أخفقت تجربة ما بعد الثورة في تحقيق هذا التوازن، ولم ينجح مشروع 25 جويلية في تقديم بديل مستدام عنه.
تونس اليوم لا تحتاج إلى استعادة الماضي ولا إلى تمديد الحاضر، وإنما إلى أفق سياسي جديد. فالثورة التي لم تكتمل لا تستكمل بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بتغيير شروط الحكم، وإعادة الاعتبار للمؤسسات والمواطن، وبناء دولة لا يكون فيها الاستقرار مرادفاً للصمت، ولا الاختلاف سبباً للإقصاء.

