بعد أن ضُرب حقه في الحياة ولم يتحرك: هل "الشعب" التونسي يخشى المواجهة؟
مقالات راي 26 أوت 2026

بعد أن ضُرب حقه في الحياة ولم يتحرك: هل "الشعب" التونسي يخشى المواجهة؟

بقلم: ameurayed

مقال جديد

تتالت الضربات التي يتعرّض لها التونسيون في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع نسبة البطالة (15%) رغم تضاعف معدّل الهجرة للخارج بمعدّل 36 ألف شخص سنويا (من المفترض ان يخفف العبء على سوق الشغل الداخلي) ما يعادل سكان مدينة تونسية مثل حمام سوسة أو مقرين. كما ارتفع أعداد الفقر ليصل لـ 1.8 مليون شخص حسب احصائيات المعهد الوطني للإحصاء أي بنسبة (16.6 %) وتتضاعف النسبة بمقاييس المنظمات الأممية. تلتقي هذه الأرقام المفزعة مع خدمات عمومية في النقل والصحّة والتعليم تشكو من بنية تحتية مهترئة وضعف في المردودية وتردي الخدمات، ربّما هي من بين الأسوأ ليس في المنطقة فقط بل وفي العالم. لكن الأسوأ في كل هذه الأزمات الاجتماعية فقدان المواد الأساسية من الأسواق لفترات طويلة ومتقطعة (السميد، السكر، الوقود..) والانقطاع المتكرّر للكهرباء والماء في درجة حرارة تجاوزت الخمسين في بعض مناطق البلاد، والأسوأ من هذا كله فقدان ماء الشرب من الأسواق، وهو ما يعني ضرب حق الحياة الذي يعتبر حق طبيعي من حقوق الانسان البدائية الذي تمّت حمايته بقوانين ودساتير وضعية.

كان من المنتظر أن تخرج مظاهرات وتحركّات اجتماعية كبرى في مختلف مناطق الجمهورية احتجاجا على فقدان أبسط مقومات العيش الطبيعي (القصد بالطبيعي الذي نشترك فيه مع الكائنات الحية التي تعيش في الطبيعة) فما بالك بالعيش الكريم. وإذا استثنينا بعض الاحتجاجات المعزولة التي لم يتجاوز أعداد المحتجين فيها العشرات في أفضل الأحوال في بعض مناطق البلاد مثل المهدية والمنستير والكاف ومنوبة...، أو المظاهرات التي تنظّمها المعارضة وبعض الفعاليات المواطنية وتحمل مطالب سياسية واضحة، لم نشهد هبّة شعبية عارمة كرد فعل على غياب الدولة ورفض المسؤولين السياسيين تحمل مسؤولياتهم عما يحدث وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، المسؤول الأوّل أمام الشعب وصاحب الصلاحيات الفلكية التي تخوّل له اتخاذ ما يشاء من قرارات تنفيذية وتسطير ما يراه مناسبا من سياسات عمومية واقتراح المشاريع وتقديم الحلول حسب دستور 2022.

لماذا إذا كل هذه السلبية ؟ ماهي خلفيّة هذا السكون المدمّر؟ هل يخشى التونسيون المواجهة؟ هل يفتقدون للشجاعة المدنيّة للمطالبة بحقوقهم؟ هل التونسي جبان؟

هنالك عدّة فرضيات تفسّر هذه الظاهرة لعلّ أهّمها فقدان الثقة في السياسيين والسياسة كمنظومة إدارة حكم تشاركية هدفها تحسين حياة المواطنين وتوفير وسائل العيش الكريم.

فكيف حصل ذلك؟

إن فقدان الثقة في المجتمع السياسي الذي هيمن على الفضاء العام ما بعد الثورة بسبب مظاهر الفساد السياسي التي طغت في العشرية الأولى من الثورة والمتمثلة في الزبونية السياسية وتداخل المال المشبوه في تمويل السياسيين والأحزاب ووسائل الإعلام وتضارب المصالح واستغلال النفوذ والسلطة لتحقيق مآرب شخصية وحزبية للذين سيطروا على المشهد السياسي وتناسوا تحقيق أهداف الثورة التي يختزلها شعار الحرية والكرامة والتشغيل.

فلئن تحقّقت بعض الحريّات السياسية والإعلامية وأصبح الجميع يعبرون بحرية على آرائهم دون الخوف من السجن والتعذيب إلا أن المواطن التونسي لم يتحرر تماما كانسان له رغبات وحاجيات اقتصادية واجتماعية لم يقدر على تحقيقها. كما أن المواطن التونسي - الذي ظنّ لوهلة أنه في طريق الانتقال من صفة الرعية إلى صفة المواطنة – وجد نفسه مقصى من المشاركة السياسية الفعلية في اتخاذ القرارات السياسية وتحديد السياسات العمومية التي تهم مستقبله. واكتشف أنه يعيش ديمقراطية انتخابية صورية لا تعطي وزنا لصوت المواطن بمنطق "قولوا ما تشاؤون ونحن نفعل ما نشاء".

وبدل من أن تنخفض نسبة البطالة وتتراجع أعداد الفقراء والمحتاجين حصل العكس وسقط الشعار ولم يعرف التونسي كرامة العيش التي تحرّره من الحاجة إلى غيره وخاصة السياسيين والأحزاب الذين استغلوا حاجتهم المادية ليشتروا أصواتهم ويحولونهم إلى وقود انتخابي.

هذا لا يعني أن سبب غياب تحرك احتجاجي شعبي يعود فقط لفقدانهم الثقة في السياسة والنشاط المدني، ولكن هنالك فئة من الشعب (وهنا نميّز بين الشعبوية التي لديها مفهوم موحّد للشعب ككتلة واحدة وبين الفكر السياسي الحديث الذي يرى أن مفردة الشعب مصطلح هلامي لا يمكن حصره في فئة معينة أو أغلبية انتخابية وإنما هو متعدد في المواقف والاتجاهات السياسية) تتبنى هذا التوجّه وترى أنه مثلما حصل في 2011 فإن حصيلة نضالاتها وتحرّكاتها ستجنيها نفس الطبقة السياسية التي فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية ولم تقدّم لحدّ الآن نقد ذاتي حقيقي لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مليئة بالدروس والعبر من التجارب السابقة.

لكن حالة اليأس من السياسة ليست نهائية والخروج للاحتجاج على الوضع القائم وربما اسقاط المنظومة الشعبوية الحاكمة -سلميا- أمر وارد. وقد علمتنا دروس التاريخ مع ثورة علي بن غذاهم 1864 ومظاهرت 9 أفريل 1938 وانتفاضة الخبز 1984 وثورة 17 ديسمبر / 14 جانفي وغيرها من الاحتجاجات أن التونسي ربما يصبر على الظلم لفترة لكن صبره استراتيجي وليس عبثي وعندما يبلغ شوقه للحريّة والكرامة حدّه يخرج من قفصه ويثور.

بدر السلام الطرابلسي

شارك هذا المقال: