انور معروف :الدين الداخلي ارتفع 78٪ في ثلاث سنوات: ما علاقة ذلك بانقطاع الكهرباء؟
اقتصاد 1 سبتمبر 2026

انور معروف :الدين الداخلي ارتفع 78٪ في ثلاث سنوات: ما علاقة ذلك بانقطاع الكهرباء؟

بقلم: ameurayed

ارتفع الدين الداخلي للدولة التونسية من 48,227 مليار دينار موفّى 2022 إلى 85,984 مليار دينار موفّى 2025. زيادة بـ 78 في المائة في ثلاث سنوات فقط !

وخلال هذه المدّة، وإلى اليوم، لم تدخل الخدمةَ وحدةُ إنتاج حرارية جديدة. آخرها كانت محطّة رادس C سنة 2022.

ارتفع الدين ولم ترتفع القدرة الانتاجية كيلوواطًا واحدًا.

ويوم 23 جوان 2026 عُرضت على لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب أرقام الشركة التونسية للكهرباء والغاز: ديون بلغت 7,356 مليار دينار، ومستحقّات غير مستخلصة لدى حرفائها بلغت 6,061 مليار دينار.

الذين فسروا الانقطاعات المتواترة لهذا الصيف، قدموا أسبابا متداخلة. موجة حرّ، وشبكة يضيع فيها خمس الإنتاج، وارتفاع قياسي للطلب على الكهرباء، الخ. وترجيح سبب واحد على غيره بيقين ليس ممكنًا. ما أعرضه هنا زاوية أخرى للنظر، مخيفة في الحقيقة لأنها تبرز أن المشكلة نسقية (systémique) وليست عارضة أو جزئية.

في موفّى 2022 بلغ الدين العمومي 114,896 مليار دينار، منه 48,227 مليار د. داخليًّا، أي 42 في المائة. كانت الدولة تقترض من الخارج أساسًا. وكان الطلب على الكهرباء يتقدّم في تلك السنوات بمعدّل 3.8 في المائة سنويًّا، وسُجّل يوم 14 أوت 2024 استهلاك قياسي بلغ 4888 ميغاواط.

وفي موفّى 2023 بلغ الدين الداخلي 59,797 مليار دينار. وفي موفّى 2024 بلغ 73,103 مليار دينار، أي 53.9 في المائة من الدين الجملي. وللمرّة الأولى صار ما تدين به الدولة لداخلها أكبر ممّا تدين به لخارجها.

والمعطى الذي يستحقّ الانتباه أنّ الدين الخارجي لم يرتفع في هذه المدّة، بل تراجع من 66,669 مليار دينار موفّى 2022 إلى 62,539 مليار دينار موفّى 2024. لم تُضف الدولة دينًا خارجيًّا. ما ارتفع هو الدين الداخلي.

وفي 2024 دخل طرف جديد على خطّ التمويل: البنك المركزي، بتسهيلات مباشرة لفائدة الخزينة. تكرّرت في 2025، ورُخّص فيها لسنة 2026 بـ 11 مليار دينار.

وفي موفّى 2025 بلغ الدين الداخلي 85,984 مليار دينار، من دين جمليّ قدره 147,402 مليار د.، أي 58.3 في المائة.

وهنا عملية حسابية بسيطة تستحقّ التوقّف عندها. الدين الجملي ارتفع بـ 32.5 مليار دينار بين موفّى 2022 وموفّى 2025. والدين الداخلي وحده ارتفع بـ 37.8 مليار د. أي أنّ الزيادة الداخلية فاقت الزيادة الجملية. كامل نموّ مديونية الدولة في ثلاث سنوات جاء من داخل البلاد، وأكثر.

ولهذه الموارد مصدر. خلال سنة 2025 ارتفعت محفظة البنوك التونسية من رقاع الخزينة إلى 25.7 مليار دينار، بزيادة قدرها 39.4 في المائة، أي بنحو 7 مليار دينار. وفي السنة نفسها لم ترتفع القروض الموجّهة إلى الاقتصاد كلّه إلّا بـ 3.1 في المائة، أي بنحو 3.7 مليار دينار من مخزون قدره 123 مليار د. الاستنتاج هنا هو أن تمويل الدولة نما بضعف نمو تمويل الاقتصاد.

وداخل هذا التمويل نفسه اتّجاه ثانٍ: قروض المؤسسات العمومية ارتفعت بحوالي 15 في المائة، بينما لم ترتفع قروض المهنيين الخواصّ إلّا بـ 2.3 في المائة. وانتقلت حصّة القطاع العمومي من أصول البنوك من 24.7 في المائة إلى 27.6 في المائة في سنة واحدة.

وبلغ الادّخار البريدي 12,352 مليار دينار في ماي 2026، بزيادة تناهز 1,4 مليار دينار في سنة واحدة. وهذه الموارد تُوظَّف في قروض الدولة.

يبقى السؤال: كيف يتحوّل هذا كلّه إلى انقطاع في البيت؟

ما ينقص الشبكة ليس الطاقة، بل ثمنها.

فوجود المحطّة لا يعني توفّر الكهرباء. تشغيلها يقتضي شراء الغاز، وتمويل الصيانة، واستيراد الفارق عند العجز. والشركة تبيع الكيلوواط ساعة بمعدّل 290.7 مليمًا، وكلفة إنتاجه 456.3 مليمًا. أي أنّ السعر يغطّي 64 في المائة فقط من الكلفة.

والفارق يُفترض أن يغطّيه الدعم. وقد رُصد في ميزانية 2026 مبلغ 3,138 مليار دينار لفائدة الشركة. والشركة نفسها تضع تأخّر صرف منح الدعم في مقدّمة أسباب وضعيتها المالية. وما لا يُصرَف لا يختفي بل ينتقل من ميزانية الدولة إلى موازنة الشركة، فيظهر فيها دينًا.

ومن هنا نفهم وضعيتها اليوم. لها ديون بستّة مليارات دينار، ولا تكفيها سيولتها لخلاص مزوّديها. والمؤسّسة التي لا سيولة لها لا تستطيع لا صيانة معداتها ولا الاستثمار.

وهذا ما تقوله أرقام الاستثمار. ما أنفقته الشركة على وحدات الإنتاج بين 2021 و2025 لم يتجاوز 248 مليون دينار في خمس سنوات. وتبقى مشاريع بقدرة جملية تناهز 870 ميغاواط في انتظار ترخيص أو تمويل، منها محطّة الدورة المركّبة بالصخيرة بخمسمائة ميغاواط.

وفي صيف 2026 التقى الخطّان: طلب واصل صعوده خمس سنوات، وقدرة إنتاجية لم تُضف إليها محطة واحدة. وحين جاءت موجة الحرّ لم تصنع العجز، وإنّما كشفت هامشًا أصبح يضيق سنة بعد أخرى.

وفي قانون المالية لسنة 2026، المنشور بالرائد الرسمي، رُخّص في اقتراض داخلي بـ 19,056 مليار دينار مقابل 6,808 مليار دينار خارجيًّا، وفي تسهيلات من البنك المركزي لفائدة الخزينة في حدود 11 مليار دينار، بدون فائدة، تُسدَّد على 15 سنة منها ثلاث سنوات إمهال. الخيار نفسه يتواصل.

الدين ارتفع بـ 78 في المائة، والخدمة تراجعت. فأين ذهبت الأموال؟

ذهبت إلى ميزانية تنفق أكثر ممّا تجمع: قُدّرت مداخيلها لسنة 2026 بـ 52,560 مليار دينار ونفقاتها بـ 63,575 مليار دينار. وذهب جزء منه إلى خدمة دين سابق، في مدّة تراجع فيها الدين الخارجي بـ 5 مليار دينار بينما ارتفع الداخلي بـ 37.8 مليار د. أمّا ما استُثمر في قطاع الكهرباء فيُقاس برقم واحد: 248 مليون دينار في خمس سنوات.

و للأسف الشديد، سيتواصل انقطاع الكهرباء وستتوسع المشاكل ما لم تحل المشكلة من أساسها.

الدين لا يُقاس بما دخل الخزينة، بل بما بقي في الأرض.

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) صدق الله العظيم.

انور معروف

شارك هذا المقال: