انتقادات لأحكام قضية التآمر في تونس: تنكيل بالمعتقلين السياسيين
اخبار وطنية 5 سبتمبر 2026

انتقادات لأحكام قضية التآمر في تونس: تنكيل بالمعتقلين السياسيين

بقلم: ameurayed

رفضت محكمة التعقيب في تونس مساء الخميس، جميع الطعون المقدمة في الأحكام الصادرة بقضية "التآمر على أمن الدولة 1″، ما يجعل أحكام السجن التي تصل إلى 45 سنة باتة ونهائية، تزامن ذلك مع وقفة احتجاجية نظمتها عائلات عدد من المعتقلين السياسيين أمام مقر المحكمة. ونقلت وكالة الأنباء التونسية "تاب"، مساء الخميس، عن مصدر قضائي أن محكمة التعقيب (النقض) نظرت في 46 طعناً، ورفضت 44 منها من حيث الأصل واثنين من حيث الشكل. وبدأت التحقيقات في هذه القضية في فبراير/شباط 2023، وشملت أكثر من 40 متهماً من السياسيين ورجال الأعمال وشخصيات أخرى. وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف في تونس أحكاما بحق المتهمين في القضية. وتراوحت أحكام السجن إجمالاً بين خمس سنوات و45 سنة مع النفاذ العاجل، إلى جانب مصادرة ممتلكات عدد من المتهمين وإخضاعهم للرقابة الإدارية. ومن أبرز المحكوم عليهم القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري بالسجن 25 عاماً، ورئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج بالسجن 20 عاماً. يشار إلى أن قضية التآمر1، تشمل رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي وعبد الحميد الجلاصي وخيام التركي وجوهر بن مبارك وشيماء عيسى وعدة شخصيات ورجال أعمال.

إمعان الانقلاب في تونس في التنكيل بالمعتقلين

واستنكر سياسيون وحقوقيون الأحكام التعقيبية الصادرة، مساء الخميس، مؤكدين أنها سياسية وهي دليل على إمعان الانقلاب في تونس في التنكيل بالمعتقلين السياسيين. وقالت عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين المحامية هيفاء الشابي، وهي نجلة رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن هذه الأحكام كانت متوقعة وهي لم تشكل أي مفاجأة. وأوضحت أن الملف فتح بقرار سياسي وأغلق بقرار سياسي، وهو ليس بملف قضائي، وأن هذا دليل آخر على طبيعة هذا الملف. وأشارت إلى أن التعجيل بعقد جلسة الخميس هو فقط لإغلاق الملف ووضع حد لدور المحامين الذين ما فتئوا يتحدثون في هذه القضية وعن وضعية منوبيهم. وقالت الشابي إن المعتقلين السياسيين انتظروا هذا القرار، ولكنه لن يغير فيهم شيئاً، فهم يدركون طبيعة الملف السياسية.

عماد الخميري: الأحكام الصادرة لم تكن مفاجئة، إذ إنها استمرار لنهج اختارته السلطة منذ البداية لضرب خصومها السياسيين

أما المتحدث الرسمي باسم حركة النهضة، عماد الخميري، فاعتبر في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأحكام الصادرة لم تكن مفاجئة، إذ إنها استمرار لنهج اختارته السلطة منذ البداية لضرب خصومها السياسيين باستخدام القضاء، واستعماله في هذه القضية وغيرها. وأوضح أن الهدف هو تجريم العمل السياسي، خصوصاً أن أغلب القادة السياسيين من أمناء أحزاب وشخصيات في مواقع متقدمة، كرئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، وأعضاء هيئات سياسية كجوهر بن مبارك وشيماء عيسى زُجّ بهم في السجون وحوكموا بتهمة التآمر. وأضاف الخميري أن العنوان الكبير لهذه القضية منذ البداية هو تدخل السلطة التنفيذية في القضاء، حيث وظفت أجهزة الدولة لضرب الخصوم السياسيين، مؤكداً أن قرار محكمة التعقيب شكّل المحطة الأخيرة في هذا الملف، وفي توظيف القضاء.

وأوضح الخميري أن هذا القرار يأتي في ظرف دقيق تعيشه البلاد حيث يتصاعد الغضب الشعبي، مشيراً إلى أن الأحداث في تونس تتجه إلى مزيد من التعقيد، وللأسف السلطة تنكر وجود الأزمة، وتسعى للهروب للأمام بدل معالجة الأوضاع. وقال إن السلطة تردد نفس الخطاب حول المتآمرين، وأنهم وراء كل الأزمات التي تعيشها البلاد، مشيراً إلى أن تونس عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات، وللأسف السلطة تنكر الأزمة تلو الأخرى، وترفض معالجة المشاكل الاجتماعية، وتتهم خصومها الذين زجت بهم في السجون بأنهم وراء الأزمة. وتابع: "إننا أمام أزمة غير مسبوقة مع تواصل إنكار للسلطة لذلك، وبالتالي أمام محطة جديدة نحو مزيد من تعقيد الأوضاع"، مشيراً إلى أن ملف المعتقلين السياسيين هو ملف حقوقي، فالغضب السياسي يلتقي مع الغضب الاجتماعي، وهي عوامل باتت تهدد استقرار البلاد.

أما عضو حراك نفس، حسام الحامي، فأكد أنهم كانوا ينتظرون مثل هذا القرار، لأنه كلما زاد فشل المنظومة كلما ذهبت نحو مزيد التضييق على الحريات، واستهداف المعارضين، ومزيد المحاكمات السياسية. وذكر في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن هذا القرار كان منتظراً، وما يحصل في الحقيقة ظلم للسياسيين الذين عرفوا بنضالهم، ودفاعهم عن الحريات، مبيناً أن هذه المنظومة تسعى للتغطية على فشلها، خصوصاً أمام العجز في توفير مقومات العيش الكريم وتردي الخدمات. ولفت إلى أن الآلية الأنسب هي التظاهر السلمي ودفع المنظومة للاعتراف بالفشل ثم الرحيل، مؤكداً أن حراك نفس سيقود مسيرة شعبية، اليوم السبت، وسيتم الانطلاق من الملعب الأولمبي بالمنزه، وجاء اختيار هذا الملعب لأنه دليل آخر على الفشل بعدما وعدت السلطة بإصلاحه لكنّها لم تفِ بوعدها.

أما النائب هيثم العوني فتوجه برسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جاء فيها: "إلى عائلات المساجين السياسيين وسجناء الرأي، لستم وحدكم، فوراء كل سجين عائلة تدفع ثمناً من القلق والانتظار والألم، وأن الحرية حين تُنتزع من إنسان، فإن وجعها يصل إلى بيته وأطفاله وأهله، نحن مع حقكم في العدالة، ومع حق كل تونسي في محاكمة عادلة، وفي التعبير عن رأيه دون خوف. قد نختلف في السياسة، نعم، لكن لا نختلف حول الحرية والكرامة، وسنبقى نرفع صوتنا من أجل دولةٍ لا يُسجن فيها الإنسان بسبب رأيه، ولا تُصبح فيها العدالة أداة لتصفية الخلافات السياسية".

حسام الحامي: الآلية الأنسب هي التظاهر السلمي ودفع المنظومة للاعتراف بالفشل ثم الرحيل

وأكدت جبهة الخلاص، في بيان، مساء الخميس، أن هذا القرار لا يمكن أن يحجب حقيقة المسار الذي أفضى إلى هذه الأحكام، ولا يمكن أن يمحو ما رافق القضية، منذ بدايتها، من إخلالات جسيمة بضمانات المحاكمة العادلة وبحق الدفاع وبالأصول التي يفترض أن تحكم القضاء المستقل. وتابعت أن الدائرة الجزائية الأولى بمحكمة التعقيب أضاعت فرصة أخيرة لتصحيح مسار قضائي شابته خروق بلا حصر وانتهاكات بلا عدّ، وفرصة أن تستعيد العدالة وظيفتها الطبيعية باعتبارها حصناً للحقوق والحريات وملاذا للمظلومين. وذكرت أن ذنب المحكومين أنهم مارسوا حقهم في التعبير وفي الاختلاف والمعارضة والنشاط السياسي السلمي. ولفتت الجبهة إلى أن رئيسها، أحمد نجيب الشابي، وأعضاء هيئتها السياسية، رضا بلحاج وجوهر بن مبارك وشيماء عيسى، يجدون أنفسهم اليوم أمام أحكام سجنية ثقيلة، لا ترى فيها الجبهة تجسيداً للعدالة، بل حلقة جديدة في مسار استهداف ممنهج للمعارضة السياسية وتجريف المجال العام وإقصاء كل الأصوات الرافضة للانفراد بالحكم.

حق شعب تونسي في نظام ديمقراطي

وبينت الجبهة أن قرار محكمة التعقيب أغلق باباً من أبواب التقاضي، ولكنه لن يغلق باب الحقيقة، ولن يلغي حق المعتقلين في الإنصاف، ولن يمنح المظلمة صفة العدالة لمجرد اكتساب الحكم الصبغة النهائية. وشددت على أنها ستواصل القيام بدورها السياسي والمدني بكل الوسائل السلمية والمشروعة، دفاعاً عن المعتقلين وعن حرياتهم، وعن استقلال القضاء، وعن حق الشعب التونسي في نظام ديمقراطي يحترم إرادته وكرامته.

ودانت منظمة العفو الدولية قرار محكمة التعقيب تثبيت الأحكام الجائرة الصادرة في ما يُعرف بقضية التآمر، مبينة أن هذا القرار يكرّس مساراً خطيراً من توظيف منظومة العدالة لاستهداف المعارضين، والمنتقدين السلميين، وإسكات الأصوات المخالفة. وذكرت أن هذه القضية شابتها منذ بدايتها انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، في ظل ملاحقات استندت إلى تهم ذات دوافع سياسية وأفضت إلى أحكام قاسية بالسجن بحق شخصيات معارضة ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان. وقالت إنه كان من المفترض أن تشكّل مرحلة التعقيب فرصة لتصحيح هذا الظلم ووضع حد لمسار قضائي تعسفي، لا أن تتحول إلى محطة جديدة لتكريسه. ودعت المنظمة تونس إلى إلغاء هذه الإدانات والأحكام الجائرة، والإفراج فوراً ومن دون قيد أو شرط عن جميع المحتجزين تعسفاً بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، ووضع حد لاستخدام منظومة العدالة أداة لقمع المعارضة وترهيب المنتقدين.

العربي الجديد

شارك هذا المقال:

انتقادات لأحكام قضية التآمر في تونس: تنكيل بالمعتقلين السياسيين | أنساق