حمى العنصرية والفاشية التي تضرب إسرائيل بعد انتخابات الكنيست، ضد عرب الداخل في فلسطين المحتلة عام 48، ليس منبعها الإقبال الكبير لسكان البلاد الأصليين على صناديق الاقتراع فقط، وفوزهم بـ19 مقعداً، بل هي سياق طبيعي يقدم وجهي المعادلة لإسرائيل "الديمقراطية" التي ترتعب من ممارسة غير اليهود للمواطنة، ولحق التعبير الفاضح لممارسة الفصل العنصري ضد المواطنة، تلك اللوحة تشكل وترسم السياسة الإسرائيلية ضد "مواطنيها" أصحاب البلاد إن هبّوا للتعبير عن خياراتهم لكسر المعادلة بالتعبير عن رفضهم لسياسات محوهم وشطبهم من الوجود على ضوء سياسة الإرهاب المنظم تجاههم، وضد حرب الإبادة ضد أبناء جلدتهم في الضفة وغزة والقدس وفي كل المنطقة العربية.
حالة الهستيريا التي سيطرت على الأحزاب الإسرائيلية، وعلى كل أقطاب حكومة نتنياهو، من صعود تمثيل السكان الأصليين في انتخابات الكنيست، وربط تمكنهم من حشد أبناء بلدهم للتصدي لفاشية تتربص بهم بقوانينها وسياساتها، بأكاذيب تُستنسخ في كل المراحل التي تتوافق مع قوانين وسياسات التهميش والعزل الممارس ضد العرب، ورعاية نظام الفصل العنصري في إسرائيل لجرائم الإبادة؛ هذه الحالة من الطبيعي أن تدفع السكان إن خُيّروا في صناديق الاقتراع لخيار التفضيل بين السيئ والأسوأ، مع علمهم المسبق بمحدودية الخيارات أمامهم، إلا أن القوى السياسية التي تمثل عرب الداخل والقوى الاجتماعية المتضررة من تفاقم السياسات العنصرية والفاشية ضدهم؛ أضحت تمثل نموذجا خاصا في صراعهم معها.
فالسياسات الصهيونية ذات الطابع الشمولي في مصادرة الأراضي وهدم المنازل، وتهميش القرى والبلدات العربية وتشديد القبضة الأمنية، مع قوانين يهودية الدولة، التي تحتقر غير اليهود وتدعو لتهجيرهم خارج أرضهم والاستيلاء عليها، وتعتبر من بقي في أرضه خادماً لها لا مواطناً؛ هي سياسات أحدثت تغييرات في واقع سكان البلاد الأصليين. ويمكن القول إنه مع صعود اليمين الفاشي في إسرائيل لذروة توحشه وانفلات سياساته العدوانية في حرب الإبادة على غزة وبقية فلسطين وفي لبنان وسوريا، نمت صيغة أخرى من صحوة تشرذم الصوت العربي في انتخابات الكنيست، مصحوبة بهبة جماهيرية للتصويت ضد حكومة بن غفير نتنياهو سموتريتش. وأسهمت جملة من العوامل في إحداث هذا التبلور في رفع نسبة التصويت، منها: إدراك المجتمع الفلسطيني عام 48، لحجم وطبيعة العنصرية الصهيونية التي تقودها حكومة نتنياهو بن غفير سموتريتش ضد وجودهم وحقوقهم، والأهم إدراكهم أن حالة التشرذم في أصواتهم وحالة اللامبالاة من الانتخابات مختلفة هذه المرة.
التبصر بالأسباب الذاتية والموضوعية التي تحكم علاقة إسرائيل الحميمة بالعنصرية ضد المجتمع العربي في فلسطين عام 48، وبين ادعاء ممارسة "الديمقراطية" والمواطنة باختيار ممثليهم، يكشف أن أطر الرؤية الصهيونية القديمة-الحديثة تتمثل في الحفاظ على الطابع اليهودي للدولة أولاً وأخيراً، وعليه ترتفع مطالب رفض التعامل مع النواب العرب المنتخبين في أي تشكيلة حكومية في إسرائيل بغض النظر عن مستوى التمثيل، لذلك يتكرر قرع جرس الخطر الصهيوني من انضمام أي عضو كنيست عربي منتخب لأي حكومة أو إشراكه في صناعة القرار، والتشكيك بقدرة وتوجه المجتمع العربي للتصويت في الانتخابات وتوجيه اتهام تزوير وسرقة الانتخابات واعتبار تصويته "7 أكتوبر" جديدا ضرب إسرائيل، ليزيد الصراخ لعلعة في أوساط اليمين الفاشي في إسرائيل باستحضار فزاعة دور قطر والدكتور عزمي بشارة، ضمن المسؤولية عن طوفان تعرية فاشية وعنصرية إسرائيل؛ الدولة التي تقدم نفسها الأقوى على صعيد الاختراق السيبراني والاستخباراتي والعسكري، فضلاً عن كونها دولة نووية، لكنها تفشل في قراءة أسباب انخراط الأقلية العربية بكثافة للتوجه لصناديق الاقتراع لفرملة اندفاعها الفاشي العنصريضدها.
العودة الملحوظة للصوت العربي الصامد في أرضه، وتسجيله أعلى نسبة تفاعل وتصويت، تجزم بشكل قاطع استمرار احتكاكه اليومي مع سياسة الأبارتايد الصهيونية التي تلفظه تدريجياً منذ 80 عاما؛ بدأت بنكبة واستمرت حتى اليوم بجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، والتي على أساسها يتم قياس أوضاع السكان الأصليين ومنجزاتهم، ليس بالمقارنة مع أوضاعهم السابقة، وإنما مع أوضاع أغلبية صهيونية تنزاح فيها المؤسسة الصهيونية وجمهورها العريض إلى فاشية يتم انتخابها بصناديق الاقتراع بشكل "ديمقراطي" في إسرائيل، حيث يعيش أصحاب الأرض والهوية والتاريخ والتراث، فيما تحاول المؤسسة الصهيونية تحت مسمى المواطنة والديمقراطية انتزاع الاعتراف بوجودهم وتمثيلهم، فهذه الديمقراطية سرعان ما تكشف عن عنصريتها ضد العرب، وتُصبح المساواة بمعناها المتجرد حالة تخص اليهود فقط، والهيكل القانوني للمواطنة ما هو إلا ستار عنصري ضده السكان الأصليين.
فأي ممارسة لديمقراطية حقيقية ومواطنة على أساس المساواة، باستطاعتها زعزعة أركان أي احتلال واستبداد، وأي ممارسة انتخابية في أجواء عنصرية فاشية تدفع السكان للذود عن وجودهم بما هو متاح، وتعرية التزييف الصهيوني وإظهار مدى ارتباط ديمقراطية مزعومة مع عنصرية تبدد الدعاية الصهيونية حول نزاهة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وبالتالي عملية إشراك السكان الأصليين في انتخابات الكنيست كانت تستند لهذا القول، فيما الدرس الأساسي للأقلية العربية الفلسطينية بأن التمسك بإرادة القدرة على الفعل وبأوراق قوة وحدتهم التي يجب الاحتفاظ بها، هو السبيل لفرض شيء من العدل لتفكيك العلاقة الحميمة بين العنصرية والمؤسسة الصهيونية التي يصعب أن ينجم عنها أي سلام وعدل؛ يعيد الحقوق لأصحابها ويكف عنهم فاشيتها التي تتجاهل سخط العالم وقوانينه.
مارس فلسطينيو الـ48، حقهم المنتزع في انتخابات الكنيست التي تنضح برغبة صهيونية في تجاهلهم وإبقائهم في إطار واقع مرير ومجحف، وليكون أي إنجاز يتحقق غير ذي قيمة، كما تفصح ألسنة وعقول من تحالفت معهم القوى السياسية العربية أو من تنافسها.

