يبدو أنّ منطق السلطة التي تعتبر نفسها بديلا مطلقا ونهائيا لا يقبل الشراكة ولا الاستبدال رغم اهتراء الشرعية الانتخابية وغياب مشروعية الإنجاز، بالإضافة إلى تعمق الأزمة الاقتصادية وفقدان خطاب "التخوين" من لدن رأس النظام في تونس جاذبيته وقوته الإقناعية وقدرته التجييشية حتى لدى أنصار "تصحيح المسار".. يبدو أن ذلك كله قد أخذ يدفع ببعض أصوات المعارضة الجذرية -على اختلاف منحدراتها الأيديولوجية- إلى طرح فرضية "اليوم التالي" في السجال العمومي. و"اليوم التالي" هنا يعني اليوم الذي يعقب سقوط ما يُسمّى بمنظومة 25 تموز/يوليو 2021. وسنشتغل في هذا المقال على تفكيك طرحين لشخصيتين تونسيتين أولاهما هو السيد عماد الدايمي الذي كتب مقالا في المسألة: "أي دستور لتونس في اليوم التالي؟" ("عربي 21"- 28 آب/أغسطس 2026)، وهو مقال أثار تفاعل السيد كمال الجندوبي الذي كتب تدوينة فيسبوكية للتعقيب والاستدراك على صاحب المقال.
لو أردنا تعريف الشخصيتين المذكورتين أعلاه مع الاكتفاء بالمشترك بينهما لقلنا إنهما من رموز "عشرية الانتقال الديمقراطي" التي تحولت في سردية "تصحيح المسار" وموالاتها النقدية إلى "العشرية السوداء"، كما أنهما من "المهجّرين السياسيين"، أي من أولئك الذين غادروا تونس وحُرموا من العودة إليها بحكم صدور أحكام قضائية غيابية في حقهما. والأهم من ذلك أنهما -رغم قيمتهما الاعتبارية- لا يُمثّلان أي جسم سياسي وازن في تونس. وبحكم وجودهما في الخارج فإن سقف حرية التعبير عندهما أكثر ارتفاعا من عموم التونسيين بنخبهم وعوامهم، وهو ما يعني أن علينا التعامل مع إشكاليتهما (أي قضية "اليوم التالي") باستحضار ما تقدم ذكره من معطيات شخصية وموضوعية. ولا يعني ذلك أنهما يغرّدان خارج سرب المعارضة الراديكالية للنظام الحالي بقدر ما يعني أنهما يكتبان من موقع مريح لا يتوفر للكثير من النخب التونسية، كما أن طرحهما لما سمياه بـ"اليوم التالي" ليس هو سقف مطالب الكثير من رموز المعارضة التونسية التي يتحدث بعضها عمّا يمكن تسميته بـ"اليوم الجامع"، أي ذلك
فيه السلطة عن منطق "البديل" سياسيا وعن منطق تحويل الخلاف السياسي إلى قضية أمنية-قضائية. وهو ما يعني عدم يأس البعض في المعارضة الراديكالية- خاصة أولئك الذين يُعرفون بتبني خطاب سياسي واقعي ولا يعوّلون على "مشاريع تغيير" لا يتحكمون في مبادئهما ولا مساراتها ولا مآلاتها- من فرضية تراجع النظام عن سياساته الحالية (بحكم المأزق الخطير الذي يوجد فيه) وإمكانية بناء حقل سياسي مختلف داخل سردية تصحيح المسار نفسها.
في مقاله المذكور أعلاه، يطرح السيد عماد الدايمي قضية "المرحلة الانتقالية" التي ستعقب "اليوم التالي" المفترض لسقوط النظام الحالي. وهو يشترك مع السيد كمال الجندوبي في استبعاد إمكانية وجود "يوم تالٍ" من داخل الآليات الانتخابية التي وضعتها منظومة 25 يوليو. ولذلك فإنهما يفكران في "المرحلة الانتقالية" باعتبارها مرحلة تعقب سقوط النظام أو إسقاطه دون المرور عبر صناديق الاقتراع والإرادة الشعبية.
ولعل "اللا مفكر فيه" الأهم داخل هذه المقاربة لإدارة الاختلاف السياسي هو التالي: لو سلّمنا جدلا أو اعتباطا بأن هذا النظام سيسقط، فمن الذي سيُسقطه؟ هل هي المعارضة العاجزة عن استعادة ثقة الشعب وعن تجاوز خلافاتها البينية، أم هي بعض مراكز القوى داخل منظومة الحكم نفسها، أم هي "ترتيبات" إقليمية ودولية ستعيد هندسة المشهد التونسي وستفرض على كل فاعل موقعه/موقفه من الواقع الجديد؟
ولا شك عندنا في أن الإجابة عن هذه القضية هي التي ستحدد الجواب عن سؤال: بأي دستور ستُحكم تونس؟ وهي أيضا ما سيحدد الجواب عن سؤال السيد كمال الجندوبي: "كيف نبني دولة وديمقراطية تمنعان تكرار ما حدث؟". بل إن الإجابة عن السؤال المذكور أعلاه هي التي ستحرر طرحي السيدين الدايمي والجندوبي من "منطق الرغبة" الذي يتحرك دون ضوابط موضوعية ولا يأبه بتناقضاته الداخلية، وتجعلهما يفكران بـ"منطق الواقع" الذي يقيّد النظر ويجعله يميز بين ما تشتهي الأنفس وما يمكن تحقيقه.
رغم اتفاقهما على المرجعية الجزئية لدستور 2014 وعلى ضرورة الاعتماد عليه، واتفاقهما كذلك على ضرورة بناء مرجعية دستورية جديدة لا تتحرك بالتعارض مع منطق "استمرارية الدولة"، فإن السيدين الدايمي والجندوبي يختلفان في المدة اللازمة للمرحلة الانتقالية التي ستعقب "اليوم التالي" المفترض، ويختلفان أيضا في طبيعة النظام السياسي الأصلح لتونس. فإذا كان السيد عماد الدايمي يقترح مدة لا تتجاوز ستة أشهر تقوم فيها لجنة من الخبراء بـ"إعداد نص دستوري انتقالي يحظى بتوافق سياسي واجتماعي واسع" (توافق بين النخب داخل المعارضة)، فإن السيد كمال الجندوبي يرى أن تُترك المدة مفتوحة تبعا لاحتياجات المرحلة الانتقالية التي سيكون عليها أن تجيب تشريعيا عن السؤلين التاليين: "لماذا عجزنا عن حماية الدستور والديمقراطية عندما كانا مهددين؟ وما الذي يجب تغييره حتى لا تتكرر التجربة نفسها؟".
من جهة النظام السياسي المقترح، فإن السيد عماد الدايمي يقترح نظاما رئاسيا معدّلا "يوفر للسلطة التنفيذية الاستقرار ووضوح المسؤولية، ويمنح البرلمان صلاحيات فعلية في التشريع والرقابة.."، وهو اقتراح لا يُصرّح السيد كمال الجندوبي برفضه ولا بقبوله، وإن كان مجرد عدم الرفض قابلا للتأويل بأنه موافقة ضمنية. كما أن السيد عماد الدايمي يصرّح في أكثر من موضع من مقاله بالطبيعة الانتقالية وبأن "الدستور الدائم والنظام السياسي النهائي" لا يقبلان الحسم إلا "من التونسيين أنفسهم"، فإنه لا يذكر ولو مرة واحدة مفهوم "الاستفتاء الشعبي العام"، وكذلك شأن السيد كمال الجندوبي. وهو لبس جوهري، لأن عدم الرجوع إلى الإرادة الشعبية غير المتلاعب بها سيفقد الدستور شرعيته وسيجعل منه نتيجة توافقات نخبوية لا سند لها، ولا يمكن الزعم بأن وضوح الفصول الدستورية المتعلقة بنظام الحكم يمكن أن يعوّض آلية الاستفتاء.
إن أهمية الإشكاليات التي يطرحها السيدان الدايمي والجندوبي -فضلا عن قيمة صاحبيها الاعتبارية- لا يجب أن تمنعنا من اتخاذ مسافة نقدية منها. فسؤال السيد الدايمي عن الآلة والكيفية (بماذا نحكم وكيف؟)، وكذلك سؤال السيد الجندوبي عن علة فشل الانتقال الديمقراطي وكيفية ضمان عدم تكرره (لماذا فشلنا وكيف نمنع تكرار الفشل؟)؛ كل ذلك عندنا مظهر من مظاهر أزمة النخب يمينا ويسارا أكثر مما هو شكل من أشكال التعبير عن نضج تلك النخب سياسيا وقدرتها على طرح الأسئلة الحقيقية (أي لا تصادر على الجواب ولا تدعي امتلاكه لحظة طرح السؤال)؛ لا الأسئلة المجازية (أي الأسئلة التي يوجد جوابها فيها ولا تكون سؤالا بقدر ما تكون مناسبة لتأكيد انحيازات وقناعات سابقة حتى لو ثبت فشلها).
لقد أثبت الواقع في تونس أن الدستور ليس إلا بناء مجازي منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا (تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها والجمهورية نظامها)، كما أثبت "تصحيح المسار" أن الديمقراطية ليست حاجة أساسية عند أغلب النخب -خاصة ما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية"- وهو ما يعني أن طرح سؤال الدستور (كيف نحكم وبماذا؟) هو سؤال فرعي سيظل الجواب عنه مجرد تمرين ذهني ما لم تطرح النخب التونسية السؤال التالي: من سيحكم؟ وماذا سنحكم؟ أي ما هي النخب التي ستحكم وما هو المجال الذي عليها إدارته؟ هل هي دولة أم كيان وظيفي؟
وإذا كانت النخب في أغلبها الأعم مطبّعة مع منظومة الاستعمار الداخلي وأساطيرها التأسيسية، وكان هذا المجال الذي نسمّيه دولةً هو مجرد كيان وظيفي، فإن صاحب القرار الحقيقي فيما سيُفّعل من فصول أي دستور -بما في ذلك ما يسمونه "دستور الثورة"- هو القوى المتحكمة في هذا الكيان (منظومة الاستعمار الداخلي ورعاتها الأجانب)، ولن تكون النخب -بصرف النظر عن نواياها وعن ادعاءاتها الذاتية- إلا مجرد فاعل صغير وهامشي في أي ترتيبات إقليمية ودولية لتونس. وهو ما يعني أن كل السجال العمومي المرتبط بـ"اليوم التالي" هو سجال إنشائي: من يتحدثون عنه لا يمكنهم تحديد موعده، ولا يمكنهم حتى تحديد من سيكون وراءه، وبالتالي لن يستطيعوا هندسة ما سيحدث فيه وبعده، بل إن حديثهم عن "استمرارية الدولة" -حتى لو ميزوا بين هذه استمرارية وبين استمرارية منظومة 25 يوليو- سيجعلهم دائما أمام استمرار منظومة الاستعمار الداخلي وأساطيرها التأسيسية، وهو استمرار لن يجعلهم أكثر من واجهة سياسية جديدة لها، أو مجرد "مكلف بمأمورية" لكن إلى حين انتهاء الحاجة إليهم كما وقع سابقا، كما لن يكونوا مهما ارتفع سقف توقعاتهم ووعودهم إلا يوما تاليا في المنظومة ذاتها، أي حلقة من حلقات الأزمات الدورية والاستقرار الهش الذي هو جوهر "الكيانات الوظيفية" مهما كانت واجهاتها/سردياتها السياسية
عادل بن عبدالله
العربي 21

