تواصل المنظمات الوطنية والمدنية في تونس، التي قادت مسيرة 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في تونس العاصمة، مساعيها لتعزيز الوحدة والعمل المشترك الميداني ضمن تنسيقية وطنية تضم تسع منظمات ونقابات على رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين وعدة منظمات أخرى. ودعت هذه المنظمات إلى تحركات جهوية (مناطقية) ووطنية ستنطلق تحت شعار "من أجل تونس والتونسيين" في عدة محافظات، خلال الأسابيع المقبلة، في ما يشكل امتداداً لمسيرة 17 أكتوبر التي نجحت في تجميع عدة قوى مدنية وحقوقية وسياسية، في خطوة نادرة، فيما شكلت فروع المنظمات الوطنية تنسيقيات جهوية بعدة محافظات.
وبحسب بيان المنظمات الوطنية، الجمعة الماضي، فإنه سيتم المراكمة على هذه الخطوة نحو احتجاجات ميدانية أوسع، وستكون ولأول مرة مهيكلة ضمن إطار تنظيمي حقوقي ومدني واسع، ومتنوعة لأنها تجمع عدة منظمات ومكونات. وقالت إن تشكيل تنسيقيات جهوية يهدف إلى مواصلة العمل المدني والسلمي من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والدفاع عن الحقوق والحريات والمطالب الاجتماعية والاقتصادية. وأكدت أن الهدف من التنسيقيات الجهوية التشاور والانفتاح على القوى المدنية والاجتماعية المحلية، وتحديد المشاكل والاحتجاجات الخاصة بكل منطقة، والإعداد لسلسلة من التحركات السلمية والجهوية والوطنية للمطالبة بالحقوق والحريات، ومعالجة أزمات المعيشة وتدهور الخدمات العمومية وتراجع المقدرة الشرائية، مشددة على ضرورة وضع حد لحالة التشتت وبناء توافق مدني حول مشروع وطني، وفتح فضاء للحوار.
تجاوز حالة التشتت
وقال الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير، لـ"العربي الجديد"، إن هذه المبادرة تأتي في سياق تفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتزايد التضييق على الحقوق والحريات، وما يفرضه ذلك من ضرورة توحيد الجهود وتجاوز حالة التشتت. وأوضح أن المبادرة تعكس إرادة استعادة الاتحاد العام التونسي للشغل دوره الوطني والتاريخي باعتباره قوة اجتماعية ووطنية فاعلة تتجاوز المطالب القطاعية للدفاع عن القضايا الوطنية وقضايا الحريات والديمقراطية.
وسام الصغير: مسيرة 17 أكتوبر، ينبغي أن تكون محطة انطلاق وليست محطة معزولة
ورأى أن مسيرة 17 أكتوبر، ينبغي أن تكون محطة انطلاق وليست محطة معزولة، لافتاً على أن الدعوة إلى تشكيل تنسيقيات جهوية تمثل خطوة نحو تحويل الزخم الاحتجاجي المركزي لفعل جماعي واسع ومنظم ومتواصل "ما يمكن أن يشكل حلقة متقدمة في مقاومة الاستبداد والتنكيل ومواجهة الفشل الاقتصادي والاجتماعي واستعادة الأمل في التغيير الديمقراطي". في المقابل، دعا أنصار الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى مسيرة شعبية بتونس العاصمة والتي كانت مقررة الأحد الماضي، ليتم في ساعة متأخرة في اليوم نفسه الإعلان عن تأجيلها إلى موعد 17 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، ذكرى الثورة التونسية (2010)، في محاولة للرد على مسيرة 17 أكتوبر.
وأكد حسام الحامي، عضو حراك نفس (شُكل العام الحالي وقاد احتجاج 25 يوليو/ تموز الماضي، تنديداً بتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية) في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "مسيرة 17 أكتوبر تعتبر محطة مهمة في المسار النضالي الذي انطلق في الحقيقة منذ انقلاب 25 يوليو 2021"، مشيراً إلى أن النضال يجب ألا يقتصر على العاصمة. ولفت إلى أن هذا لا يعني أن الحراك في العاصمة سيتوقف، بل ستكون هناك وبالتزامن مع الجهات (المناطق) عدة تظاهرات في تونس العاصمة خلال شهري نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر المقبلَين. وشدد على أن الهدف "استرجاع الحقوق بعد تقييم حصيلة خمس سنوات من الحكم الفردي والذي كان بصلاحيات واسعة ولكن النتائج هزيلة جداً، في ظل أزمة لم تشهدها تونس منذ الاستقلال".
هدف تشكيل تنسيقيات جهوية في تونس
بدوره قال القيادي في حركة النهضة محسن السوداني، لـ"العربي الجديد"، إن دعوة المنظمات إلى تشكيل تنسيقيات جهوية للتحرك دفاعاً عن الحقوق والحريات يؤكد أن المنظمات الوطنية تتجه إلى إشعار عموم المواطنين في المحافظات بالواقع المتردّي الذي انتهت إليه تونس ومن ثمة إشراكهم في الاحتجاجات. وأوضح أن المنظمات التي تشكّل التنسيقية الوطنية، تملك مقارنة بالأحزاب إطاراً أنسب لاستجابة التونسيين وانخراطهم في التحركات، مشيراً إلى وجود "حالة من الاحتقان الشعبي العام، غير أن هذا الغضب ليس مؤطراً ولم يتحوّل بعد إلى حالة سياسية أو تنظيمية".
محسن السوداني: تشكيل التنسيقيات الجهوية من شأنه أن يوسّع المشاركة ويوفّر للتونسيين الإطار الذي ينظمهم
وبيّن أن تشكيل التنسيقيات الجهوية من شأنه أن يوسّع المشاركة ويوفّر للتونسيين الإطار الذي ينظمهم، فعلى خلاف الأحزاب التي تستقطب فقط منتميها وبعض المتعاطفين، مشيراً إلى أن الاتحاد (التونسي للشغل) يستطيع بمعية المنظمات الأخرى أن يؤمّن إطاراً أوسع يجمع كل التونسيين، سواء كانوا مسيّسين أو محايدين. وفي رأيه فإن نجاح المنظمات يتوقف على قدرتها على الإقناع، وهذا الإقناع يكون بتوفّر شرطين. الأول، وفق السوداني تقديم خطاب متوازن يتجاوز الحدود الحزبية ويتعالى عنها ولا يقع في الخطاب الإيديولوجي الإقصائي الذي يقوم على الفرز والتصنيف السلبيين. أما الشرط الثاني فهو الانفتاح على كل القوى الفاعلة للتعاون في هذا الاتجاه، لأنه كلّما كانت المشاركة أوسع أمكن أن يكون الأداء أنجع. وأكد أن مسيرة 17 أكتوبر مثّلت بداية مشجعة، مبيناً أن بعض الأحزاب والشخصيات التي كانت إلى عهد قريب مساندة للانقلاب قد شاركت في التحرك، ما عدّه "مؤشراً على عزلة النظام".
من جهته رأى شريف الخرايفي، الأمين العام لاتحاد المعطلين من العمل، (من مكونات التنسيقية الوطنية) في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الهدف ومنذ البداية لم يكن إنشاء تنسيقية وطنية تقود مسيرة احتجاجية فقط، بل تم طرح فكرة التحوّل إلى قوة مدنية جهوية أي امتداد قاعدي شعبي يكون قادراً على الضغط على السلطة في جل المجالات منها الحقوق والحريات والجانب الاجتماعي. وأضاف أن هذا الإطار يكون من خلال إحداث تنسيقيات جهوية من أجل التعبئة، وقيادة التحركات الجهوية وطرح قضايا ذات بعد وطني، مؤكداً أن بعض الجهات بدأت في التشاور وتشكيل النواة الأولى للعمل على أمل تعميم التجربة على نطاق واسع وقيادة تحركات جهوية. وشدد على أن الهدف أن تكون التحركات منظمة ضمن هيكل واضح ودون الفصل في المطالب أي حرية التعبير والتنظيم، لأن هناك ارتباطاً عضوياً بين كل المطالب الاجتماعية والاقتصادية.

