التونسيون ينتظرون "غودو"
مقالات راي 30 أوت 2026

التونسيون ينتظرون "غودو"

بقلم: ameurayed

جديد الأحزان ما حلّ بمدينة بن قردان التونسية التي فقدت دفعة واحدة 19 من شبابها، ابتلعهم البحر على إثر مغامرة فاشلة للتسلّل إلى الساحل الإيطالي. هكذا تكرّر السيناريو الأسود، بدءاً من انتشار نبأ الفاجعة، وصرخات الأمهات الثكلى، والبحث المضني عن جثث الضحايا، ومشاركة آلاف التونسيين لدفن من تم العثور عليهم. في الأثناء، تصاعدت وتيرة الغضب والاحتجاج ضد السلطة، بمختلف هياكلها ومؤسّساتها، واستمر الجرح مفتوحا بسبب عدم زيارة أي مسؤول في الدولة المنطقة، في مقدمتهم الرئيس قيس سعيّد، وتقديم التعازي للأهالي.

حصلت الكارثة في ظرف عصيب، حيث استمر التونسيون في مواجهة انقطاع الكهرباء ومياه الشرب، والنقص الفادح في قوارير المياه المعدنية التي قفزت أسعارها. وهو ما رفع درجات الاحتقان لدى مختلف الفئات والمناطق من دون تمييز. وبلغ الأمر بسكان بعض المدن إلى إعلان العصيان المدني مؤقتاً. وبذلك وجد رجال الأمن أنفسهم في مواجهات تتكرّر هنا وهناك، ليلاً ونهاراً مع الأهالي الغاضبين، وهو ما زاد في إرهاق المؤسّسة الأمنية، وعمّق الخوف لدى التونسيين من مستقبلٍ يسوده الغموض، ويحيلهم على سيناريوهات سوداء.

أصبح القلق والتوجس حالة نفسية ملازمة للمواطنين، بمن فيهم الموالون للسلطة، الذين يحاولون، من دون جدوى، القول إن ما يحدث جزء من مؤامراتٍ لا تنتهي، يهدف أصحابها إلى إزاحة الرئيس سعيّد، رغم اعتراف هؤلاء بأن عجز الدولة على توفير الحاجيات الأساسية لمواطنيها قد يفتح الباب أمام المجهول، فالمؤكد أن السلطة قد اقتربت من الخطوط الحمر، بعدما وجدت نفسها تدير ما وصفه أحد الاقتصاديين ب "اقتصاد الندرة " بموارد مالية محدودة. ومع كل أزمة، ترتفع الأسعار، ويزداد الاحتقان، ويغرق الإعلام أكثر فأكثر في بروباغندا سطحية وغير مقنعة. وهذا المناخ ملائم جدّاً للمعارضين الذين يستثمرونه من أجل التشكيك في شرعية السلطة ومزيد إضعافها، من خلال تأليب الرأي العام ضدها، والتأكيد على أن "السيل قد بلغ فعلا الزبى".

لا خلاف في أن لخطاب المعارضة ما يبرّره على مستوى الواقع، في سياق حرصها على تغيير موازين القوى، إلا أن هذا الخطاب، في المقابل، يصطدم بمسألتين لا يمكن التقليل من أهميتهما في السياق الراهن. أولها رواسب المرحلة السابقة التي عمّقت المسافة بين عموم المواطنين والنخب السياسية، وهو ما كشفت عنه تجربة الانتقال الديمقراطي. هذه المسألة حاضرة بقوة في اللاوعي الجماعي، ويعمل الإعلام الموالي للسلطة على تغذيته باستمرار من خلال التذكير بما حصل في العشرية السابقة.

سيعاني التونسيون كثيراً من هذه العقبة التي ستربك مستقبلهم، وتجعلهم في شك متواصل تجاه أي عمل معارض، خصوصاً أن هذه الحالة توسّعت تداعياتها لتشمل الشك في الجدوى من الديمقراطية التي من شأنها أن تسمح للجميع بحق المشاركة في إدارة الشأن العام.

المسألة الثانية مرتبطة بالأولى، حيث يستمر الاشتباك بين مكونات المعارضة التي لا تزال عالقة في الصراع حول أيهما يأتي قبل الآخر. هل تكون الأولوية لبناء "جبهة " سياسية من أجل إسقاط النظام أولاً ثم التفرغ لترتيب المرحلة المقبلة، أم بذل الجهود حالياً للتخلص من الحزبين الرئيسيين في الساحة، حركة النهضة والحزب الدستوري الحر، حتى لا يعيدا تجربة الاستبداد مستقبلا. وفي انتظار حسم هذه العقدة، يستمر التونسيون في حالة انتظار شخصية غودو في مسرحية صموئيل بيكيت، والذي لن يأتي أبداً.

هذه حال تونس التي نجحت في نحت أمل قبل 15 عاماً، أما اليوم فوفقاً لعدة تقارير دولية، أحدها من مؤسّسة World Population Review وصدر مع نهاية عام 2025، كشف فيه أن تونس تتصدّر الدول العربية، وتأتي في المرتبة الرابعة عالمياً في معدلات الاكتئاب. فكيف تبخر الحلم بهذه السرعة، وانقلب حال شعبٍ كاملٍ من تفاؤل عريض بمستقبل أفضل سيغمر تداعياته بقية أرجاء المنطقة، إلى واقع بائس ينذر بمستقبل حزين؟

صلاح الدين الجورشي

شارك هذا المقال: