تخطّى "غناءُ الجمهور" في مدارج المهرجانات محطّةَ "التجاوب" مع الفنّان أو التعبير عن الإعجاب بالأعمال المُقدّمة، وبات قريباً من "افتكاك المصدح" من المغنّي الفنّان، فإذا نحن أمام ظاهرة جديرة بالتحليل، يراها بعضهم قفزة في اتّجاه البهجة، بينما يرى فيها آخرون تعبيراً عن "بهجة هستيرية"، أو انقلاباً ديمقراطيّاً بامتياز: جمهورٌ حُرم من الكلام في البرلمانات والصحف والحلقات العامّة وحتى الخاصّة، فوجد أخيراً خشبةً يستعيد عليها صوته المُصادَر، حتى ليكاد "غناء الجمهور" يصبح احتفالاً بعودة الكلمة إلى أصحابها الشرعيين. لكنّ هذه القراءة السخية تتهاوى أمام سؤال بسيط: منذ متى كان الصمت الذي يُنتَقَم منه هنا هو نفسه الصمتَ الذي أنتجته الجهةُ التي تمنح الجمهور حق الصراخ بمُقابل؟ لكأنّنا أمام صراخٍ يستبعد المغنّين مبقياً على الأغاني مغسولة من معانيها في الضجّة الجماعية، ناقلاً كلفة الصمت من المؤسّسة إلى الجمهور الذي بات "يدفع" مقابل ممارسة هذا النوع من الغناء الصامت.
نلحّ مرّة أخرى على أنّ المقصود هنا ليس غناء الجمهور تجاوباً أو إعجاباً فذاك جزء من طقس العقد الفنّي، لكنّنا نقصد استدراج الجمهور إلى الغناء محلّ أهله في نوع من "الديغاجيزم" الذي لا يحمل اسمه. إنّ تفسير ظاهرة "غناء الجمهور" بالثأر السياسي أو حتى الاستثمار الاقتصادي هو سؤالٌ نحويٌّ بحت: ماذا يبقى من ضمير المتكلّم "أنا" حين يتلفّظ به الجميع معاً فيتحوّل إلى "نحن" بلا مرجعية. هذا بالضبط ما يحدُث على مسارح "الجمهور المغني". العبارة التي وُلدت اعترافاً أو شهادة - قولٌ فردي محفوفٌ بالمخاطرة قابلٌ للكذب أو الصدق - تخرج من "الحلق الجماعي" صيغةً طقسية لا يسأل أحدٌ عن صدقها.
فرّق أوستن بين الجملة "الخبرية" التي تصف واقعاً فتُقاس بمعيار الصدق والكذب، والجملة "الإنجازية" التي لا تصف شيئاً، بل تُنجز فعلاً بمجرّد النطق بها. وبناء على فكرته يمكن القول إن الغناء الفردي خبريّ في جوهره، إذ يصف المطرب حالةً صادقاً أو مدّعياً، بينما الغناء الجماعي إنجازيّ بحت: لا أحد في القاعة يُسأل عمّا هو بصدد قوله وعمّن يخاطب، فالسؤال لا معنى له، إذ الفعل المُنجَز هنا ليس مقصوداً بما يقال، بل بالقول الصارخ نفسه. وليس مصادفةً أن هذه السهرات تختار عادةً من الذخيرة الغنائية الأغاني الأكثر حميميّة، أغاني الحب والفراق والحنين، لا الأناشيد الجماعية أصلاً: فالأخيرة، بما أنها مكتوبة بضمير الجمع منذ التأليف، لا تحتاج إلى هذا الانتزاع لتتحوّل إلى تعويذة، هي تعويذة منذ البداية.
لو دقّقنا النظر لرأينا أنّ الحاجة إلى "الجمهور المغنّي" تنشأ فقط حيث يكون هناك قول أو احتجاج فرديٌّ يستحق أن يُصادَر. هنا يكمن التفسير الأقرب إلى واقع الحال. لا "الهستيريا" ولا "النشوة" ولا "الثأر". هذه السهرات تمنح الجمهور فرصةً نادرة ليفرغ حاجته إلى القول في عباراتٍ لا يتحمّل عبء صدقها من عدمه، محميّاً بألف صوتٍ آخر يقول الجملة نفسها في اللحظة نفسها. هذا هو التفريغ الحقيقي.
والحقّ أنّ الغناء الجماعي - الترنيمة، أغنية العمل، النشيد - هو الأصل الأقدم. والعودة إليه، حتى عبر مهرجانٍ يبيع تذكرة، هي عودةٌ صاخبة إلى وظيفته الأولى قبل أن يستأثر بها الفنان الفرد قروناً. لا يمكن أن يحدث الأمر نفسه مع عازف كمنجة. العزف الآلي يتطلّب مهارة لا يمكنك أن تعوّمها في الضجيج. يمكنك "تصفير" لحن آليّ معروف بأكمله، لكنّك لن "تعزفه" جماعيّاً بلا آلة. العزف الحقيقي يتطلّب يداً بعينها لا تُستنسَخ بالإرادة وحدها. تلك هي بالضبط نحويّةُ الشعار سياسيّاً: حين يهتف حشدٌ "نريد"، فالضمير الجماعي لا يُخفي عن السلطة مطلباً بقدر ما يُخفي عن كل فردٍ في الحشد مسؤوليته الشخصية عن المطلب - وما يجري في القاعة الغنائية تدريبٌ ناعم غير واعٍ على "النحو" نفسه الذي يُستخدم غداً في الساحة. ليس مصادفةً أن الأنظمة التي تُشجّع، ولو ضمنيّاً، هذا النوع من الحفلات، هي في الأغلب الأنظمة الأقلّ ارتياحاً لضمير المتكلم الفردي في أيّ سياقٍ آخر: إنّ من يخشى مقالاً موقَّعاً بـ"أنا"، لا يخشى مدرّجاً يهتف بـ "نحن". الجملة الجماعية، مهما بلغت حدّتها العاطفية، وما لم تُسند بوعي حقيقيّ، لا تُحاسَب، لأن لا أحد فيها يوقّع باسمه.
العربي الجديد

