وانتصر صاحب التسع أصابع
مقالات راي 3 نوفمبر 2026

وانتصر صاحب التسع أصابع

بقلم: ameurayed

صلاح الدين الجورشي

لم ينجح لويس إيناسيو لولا دا سيلفا فقط لأن خصمه فاسد ومرتبط بالدوائر الإمبريالية، وإنما أيضاً لكونه قرّر التحرّك ضد التيار، ووجد من يسنده ويكشف لمواطنيه نقاط القوة فيه. فالزعيم لا يصنع نفسه بنفسه إذا لم يجد من يؤمن به، ويلمس فيه الصدق والوضوح والقدرة على الاستشراف والاستعداد للإنصات والتعلم. فبعد أن فسدت السياسة واشترى أصحاب المال أصحاب السلطة والنخبة، أصبحت الشعوب تبحث عن الثقات الحاملين لمشاريع تدمج الأخلاق في بدائل قابلة للإنجاز.

ما حصل في البرازيل ثورة بدون قطرة دم. وما حصل هناك يتجاوز مجرّد انتخاب رئيس للمرة الرابعة، بل هو رسالة إلى العالم، مفادها بأن الخضوع للرأسمالية المتوحشة والاستسلام لسلطة أقصى اليمين ليس أمراً حتمياً. كانت أميركا اللاتينية منطقة عصية في وجه الثعبان الأميركي الذي سبق له أن التفّ حول معظم دول هذا الجزء الحيوي من القارّة، لكنه في كل مرة يلقى، ولو بعد حين، مقاومة شرسة تفرض عليه الارتداد إلى الخلف. إن تغيير العالم يبقى خياراً ممكناً، رغم كل العقبات التي وضعتها الإمبريالية الجديدة، ووراءها حالياً ترامب من جهة والصهيونية العالمية من جهة ثانية، فالتاريخ يؤكّد مرّة أخرى أن قلب الموازين وارد في اللحظات الأخيرة وفي أي مكان، وما حدث في البرازيل دليل على ذلك. لهذا لم يكن مفاجئاً خبر فرار منافس الرئيس لولا، المرشح فلافيو بولسونارو إلى ولاية فلوريدا الأميركية مثلما فعل والده من قبل، رغم قرار قضائي يمنعه من السفر نظراً إلى تورّطه في جرائم متعدّدة، مدّعياً أنه سيقود المعارضة من هناك. لقد أصبح اللعب بمصير الشعوب يتم في فضاء مكشوف.

كانت المؤشرات تدل على أن الرئيس سيلفا لولا قد يخسر الانتخابات، فرغم تراجع نسبة البطالة، بلغ التضخم مستوى عالياً أدّى إلى ارتفاع مشط للأسعار. وهو ما استغلته المعارضة. لكن أغلبية الشعب البرازيلي شعرت بالخطر، وتمكنت من تغيير موازين القوى، وأجهضت الخطط الجهنمية التي وضعت للهيمنة المطلقة على بلادها، وحالت دون تكرار سيناريو الأرجنتين. لقد جدّدت الجماهير ثقتها في الرئيس للمرّة الرابعة على التوالي، لأنها أدركت أن المعارضة باعت نفسها للشيطان، وأدركت أن الصعوبات التي تمر بها البلاد لم تكن فقط ناتجة عن عوائق داخلية، وإنما أسهم الطامعون في ثروات البلاد في تأزيم الأوضاع بهدف تحقيق أهداف استعمارية واضحة لكل ذي بصيرة. لهذا تم الرهان على تمديد العهدة بدل إقحام البلاد في مغامرة مدمّرة.

كان الرئيس لولا شخصية مزعجة لأطراف عديدة. لقد تحدّى القيادة الأميركية بوجه مكشوف وبشجاعة نادرة. كما تصدى للوبي الصهيوني بكل قوة، ولم يخضع لقاتل الأطفال والنساء مجرم الحرب نتنياهو وحكومته البشعة. وكانت مواقفه في الداخل والخارج منسجمة مع قناعاته، ما أضفى على شخصه بعداً أخلاقياً وأكسبه زعامة استثنائية عالمية. وكانت مسيرته الشخصية تضفي عليه مصداقية نادرة. لم يكن سياسيّاً محترفاً. عاش بعيداً عن والده الذي لا يعرفه، ولم يكتشف الخبز حتى السابعة من عمره. عاش طفولته جائعاً، ولم يبلغ مستوى البكالوريا، وانخرط في النضال النقابي منذ وعيه المبكر بأهمية النضال الاجتماعي. دخل السجن وخرج منه أكثر صلابة. وبقي حذراً من أصحاب الثروات الضخمة، رهانه الأساسي كانوا الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى. وعندما اختاروه رئيساً للبلاد بقي شفّافاً وقريباً من شعبه، ومتمسّكاً بوعوده الانتخابية التي التزم بها منذ الدورة الرئاسية الأولى. لم يحقق جميع وعوده، لكنه في المقابل تمكن من تحقيق عديد منها، وهو ما جعله محل ثقة الملايين.

يقوم مبدؤه على أن "كثرة المال بيد أقلية تؤدّي إلى الفقر، وقليل من المال بين أيدي ناسٍ كثيرين هو الغنى"، وهو شبيه بما صاغه القرآن الكريم في آية "كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم". ركز على الاقتصاد الجزئي ودعم القروض والمشاريع الصغرى، فأكسبه ذلك حظوة بين محدودي الدخل في بلاد تهيمن عليها العائلات المحتكرة للثروة. هكذا صمد الرجل وأنقذ بلاده من هوّة عميقة.

شارك هذا المقال:

وانتصر صاحب التسع أصابع | أنساق