عاد ملف المساجين السياسيين في تونس ليُطرح من جديد بأكثر حدة وإلحاحا. وكانت مسيرة يوم 25 تموز/ يوليو الماضي فرصة أخرى للتعبير بشكل واسع عن رغبة معظم التيارات السياسية والفكرية في غلق هذا الملف الذي طال دون أن يفضي إلى نتائج مقنعة. لقد فشلت كل المحاولات التي يقوم بها أنصار السلطة لتبرير ما حصل، وإقناع الرأي العام بأن المعتقلين يشكلون فعلا خطرا جديا على الدولة والمجتمع. فقائمة المساجين مرشحة للاتساع، وأوضاعهم تزداد سوء، وأصبح ملفهم يشغل جميع المنظمات الحقوقية في العالم، وقاعدة المتعاطفين معهم تتسع باستمرار. وبدل أن يستفد النظام من هذه الحرب، حصل العكس تماما، وأصبح محل خلاف حتى بين أنصاره والمدافعين عنه.
تعتبر قناة الجنوبية من القنوات التلفزيونية المدافعة بحماس كبير على الرئيس قيس سعيد. وفي برنامج مثير، سمحت القناة لمعلق سياسي قريب من النظام هو معز الحاج منصور، أن يطالب الرئيس بتحقيق "مصالحة وطنية"، معتبرا ذلك قرارا سيكون في مصلحة السلطة. وأكد بالخصوص على أنه "لمواجهة المخاطر الخارجية"؛ على الرئيس "إفراغ السجون وإصدار عفو عام"، والتسريع في عودة رجال الأعمال إلى النشاط مقابل التنازل عن جزء من ثرواتهم"، مُقرا بأن الصلح الجزائي الذي وضعته السلطة بقي "معطلا وآلياته بطيئة جدا". وحتى يدعم مقولته، ويرد على من تبقى من المتشددين والمدافعين على بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه بحجة أن العفو من شأنه أن يشمل "دعاة الإرهاب والموالين للخارج"، ذكّر بالجزائر التي قامت بـ"الوئام المدني" بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية.
قد يتساءل البعض لماذا بقيت قضية المساجين السياسيين حية ومستمرة رغم مرور قرابة أربع سنوات على انطلاقها؟
تضافرت عوامل عديدة جعلت هذا الملف حيا ومستمرا؛ لعل في مقدمتها غموض "الخطيئة الأصلية" التي تفرعت عنها بقية التفاصيل. إذ لا تزال أغلب الأطراف التي اهتمت بهذا الملف من منطلق قانوني وحقوقي وسياسي غير مقتنعة بسيناريو "المؤامرة" الذي يعتمد عليه الخطاب الرسمي.
أما العامل الثاني فيتعلق بالإجراءات الاستثنائية التي تمت خلال المحاكمة وبعدها، والأحكام العالية التي توجت بها هذه القضايا. كذلك الشأن بالنسبة لما يتعرض له بعض المساجين من "تعسف وإجراءات انتقامية" حسبما ذكره المحامون في حالات البعض منهم.
أما العامل الرابع فيخص العائلات التي اكتوت أكثر من غيرها بهذا الحريق وغير حياتها وأخضعها لتجربة قاسية، لكنها رفضت القبول بالأمر الواقع وواصلت الدفاع عن أبنائها.
خامسا، التقارير المستمرة الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان، وعلى رأسها "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة، فالسلطة فشلت في كسب ثقة جميع الهيئات والجمعيات الحقوقية في العالم.
وأخيرا، توسع الإيقافات واستمرار "التجاوزات" وفتح ملفات جديدة من شأنها تغذية للحريق بدل تطويقه وإطفائه حسب اعتقاد الكثيرين. من ذلك على سبيل المثال ما تعرض له مؤخرا الشيخ راشد الغنوشي الذي مُنعت أسرته من زيارته في المستشفى، وما مر به نجيب الشابي رغم تقدم سنه، والدكتور منذر الونيسي الذي فقد القدرة على النطق بعد أن كان رئيس قسم في أحد المستشفيات الكبرى في العاصمة، وما حصل مع عميد المحامين السابق شوقي الطبيب الذي لم تمكنه إدارة السجن من وسادة طبية، رغم قرار الأطباء واستعداد أسرته لتحمل المصاريف، وهو ما دفعه إلى إضراب مفتوح عن الطعام في هذه الظروف المناخية الصعبة.
كل العقلاء، بمن فيهم بعض الأصوات داخل حلبة النظام، يؤكدون على أن ملف السجناء أصبح خانقا ومزعجا للسلطة قبل غيرها، فكلفته السياسية تزداد يوما بعد يوم، لهذا أصبح النظام في أشد الحاجة إلى إغلاق هذا القوس وفتح صفحة جديدة. لقد استنفد سيناريو المؤامرة أغراضه، بعد أن تم ربطه إعلاميا وسياسيا بمختلف الأزمات الهيكلية التي انفجرت مع بعضها بعد الثورة، واجتمعت كحزمة واحدة خلال الفترة الأخيرة.
هناك من يعتقد بأن اللحظة السياسية الراهنة غير مناسبة لفتح باب العفو، نظرا لحالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي السائدة، ويعتبر هؤلاء أن هذا السراح إن تم سيستفيد منه المساجين، الذين سيعودون من جديد إلى معركتهم السابقة من أجل الإطاحة بنظام الرئيس سعيد. وهو قول شائع داخل أروقة السلطة لا بد من أخذه بعين الاعتبار، لأن هؤلاء يظنون بأن حركة النهضة ستوظف مثل هذا القرار للعودة من جديد إلى السلطة.
على الجميع تقديم مصلحة تونس ووضعها فوق كل اعتبار، لهذا هناك حاجة إلى تفكير بارد، وإعداد جيد للمرحلة القادمة، ووضع تصور مسبق، وإشراك وسطاء يتمتعون بثقة الطرفين. إذ يفترض أن تعلن السلطة عن وقفة تأمل، وأن تفكر في مستقبل البلاد بوعي ومسؤولية، وفي المقابل على المعارضة أن تلتزم بمجموعة ضوابط تساعد على طمأنة الماسكين حاليا بأجهزة السلطة. وعلى الجميع أن يقروا بأن الحالة الراهنة لم يعد من الممكن أن تستمر، وأن سنّة التداول حتمية تاريخية.
صلاح الدين الحورشي
العربي 21

