هل تؤثر انتفاضة الشارع الفرنسي على تونس؟
مقالات راي 16 أكتوبر 2026

هل تؤثر انتفاضة الشارع الفرنسي على تونس؟

بقلم: ameurayed

كانت النخب التونسية تردد خلال الأزمات "إذا أمطرت في باريس حمل التونسيون المظلات". فكلما انفجرت أزمة عميقة في فرنسا انتقلت عدواها إلى الفضاء التونسي، حتى لو اختلف السياق أحيانا في البلدين. فلا علاقة لما يحدث في فرنسا بالأزمات العابرة، ولن يقف عند حدود اشتباك بين التلاميذ ووزير التربية وصراع مقلق مع الشرطة. فما يجري يؤشّر إلى أن مرحلة سياسية واجتماعية تلفظ أنفاسها، مقابل رغبة جارفة وعميقة تعبر عنها شرائح واسعة تريد القطع مع الحاضر، وتعمل على بناء مرحلة جديدة ستتضح معالمها تدريجيا في المستقبل القريب. ولن تقف المسألة عند حدود فرنسا، بل ستتعدّاها إلى الفضاء الأوروبي الواسع، بعد أن بدأ الحراك يشمل أيضا بلجيكا وإيطاليا.

هناك تشابك تاريخي بين البلدين تجسّد بالخصوص على الصعيدين النقابي والطلابي، إلى جانب الحضور الفرنسي الطاغي اقتصاديا ومؤسساتيا. إذ تعتبر فرنسا الشريك الرئيسي لتونس التي لم تنجح بعد في فك الارتباط بالمحور الفرنكفوني، رغم دعوات جهات متعددة طالبت بتغيير السياسات. فأحداث 1968 التي أحدثت تغييرات جذرية في فرنسا وخارجها كان لها تأثير واسع على الحركة الطلابية التونسية وعلى عموم النخب، رغم محاولات السلطة التصدّي لتلك التداعيات والتخفيف من حدّتها. لكن النظام بعد ذلك الزلزال وجد نفسه مضطرّا لتعديل سياسته وطريقة تفكيره وعلمه مع الشأن المحلي.

يتابع التونسيون ما يجري في باريس، وهم الذين لهم جالية واسعة هناك. كما أن من شأن تراكم الاحتقان السياسي والاجتماعي أن يدفع بالضرورة نحو المقارنة بين البلدين، فالسلطة من خلال أجهزتها الأمنية يقظة، وقد تكون في حالة استنفار، ولا تستبعد مختلف الاحتمالات. وما يخشى في هذا السياق أن يقع الزج بالتلاميذ في الحراك الاحتجاجي المتصاعد في تونس. وما سيترتب عن مسيرة 17 أكتوبر، التي دعا إليها اتحاد الشغل وباقي الجمعيات المساندة له، من شأنه أن يزيد من درجة القلق الأمني والسياسي، خصوصاً أن الأحزاب تنتظر هذه الخطوة لكي تساند اتحاد الشغل، وتظهر تقاطعه معه، رغم حرص قيادته على حماية مسيرته. المهم بالنسبة للمعارضة بقطع النظر عن تناقضاتها، هو توسيع دائرة الغاضبين على سياسات الرئيس قيس سعيّد.

يتجاوز التأثير الفرنسي المحتمل على تونس السياق الراهن في كل من البلدين، لكنه قد يتجلى مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. فالساحة الفرنسية مرشحة لإعادة التشكل بعد مغادرة ماكرون قصر الإليزيه، خصوصاً إذا استعاد اليسار بمختلف ألوانه حضوره بفضل سياساته المختلفة جذريا مع اليمين، وبالخصوص مع أقصى اليمين الذي يتوقع أن يستفيد كثيراً من المناخين، المحلي والدولي. فنجاح اليسار لن يطمئن السلطات التونسية نظرا لتباين وجهات النظر بين الطرفين حول ملف الحريات وحقوق الإنسان.

يستبعد أن يكون التأثير سريعاً ومباشراً، فقيس سعيد يختلف عن الرؤساء السابقين، الذين كانوا يقرأون حساباً للمتغيرات الجيو سياسية في إدارتهم شؤون الحكم. المرجح أنه لن يغيّر من طبيعة السلطة، ولن يتخلى عن انفراده بتسيير مؤسّسات الدولة. وستبقى قبضته على رقاب خصومه مشدودة، ولن يفاوضهم حول المستقبل السياسي للبلاد ما دام متمسكا باتهامهم بـ"خيانة الوطن والتآمر على الدولة".

كما يستبعد أن تلقي المعارضة بنفسها في أحضان باريس في حال صعود اليسار، لأنها ستفقد مصداقيتها، وتثبت بكونها عميلة للخارج. لكن من جهة أخرى ستعمل على الاستفادة من المناخ الجديد الذي يمكن أن يحدثه هذا التغيير. لهذا اعتبر رياض الشعيبي، مستشار زعيم "النهضة" راشد الغنوشي أن "الحل في تونس لن يأتي من أنقرة أو واشنطن". قد يرى خصوم حركة النهضة في مثل هذه التصريحات تكتيكاً ومناورة، بيد أن المؤشرات الراهنة تُظهر أن القوى الخارجية لم تقرر بعد التدخل علناً في الشأن التونسي؛ إذ تقتضي مصالحها الحفاظ على استقرار الدولة رغم تحفظها على بعض سياسات الرئيس سعيّد. علاوة على ذلك، تبدو حكومات هذه الدول مشغولة بملفات أخرى أكثر أولوية؛ فأي حكومة فرنسية قادمة، على سبيل المثال، ستجد نفسها غارقة في الأزمة الاقتصادية والسياسية الطاحنة التي تمر بها بلادها في مرحلة ما بعد حقبة الرفاه.

التونسيون وحدهم سيحددون مصير بلادهم.

صلاح الدين الجورشي

شارك هذا المقال:

هل تؤثر انتفاضة الشارع الفرنسي على تونس؟ | أنساق