مصير نشطاء أسطول الصمود في تونس: هل القرار أكبر من قصر قرطاج
مقالات راي 12 أكتوبر 2026

مصير نشطاء أسطول الصمود في تونس: هل القرار أكبر من قصر قرطاج

بقلم: ameurayed

في فتراتٍ خلت كنا نشمئزُّ من حفنة الشعارات المتهالكة المتداولة بين أبواق الأنظمة العربية "لنصرة القضية الفلسطينية"، وبالموازاة مع تفشي خطابات الشجب والتنديد والاستنكار الرسمية المملة، سُمح لبعض الفنانين العرب -على سبيل المثال- التنقل وإنتاج سلسلة أعمال موسيقية موحدة لكل الأقطار العربية، بل وتُعرض حينها في وقت الذروة في كل القنوات الرسمية من المحيط إلى الخليج؛ ما إن ينتهي "الأوبريت المؤثر" حتى يُخيّل إليك أن الإعلان القادم سيكون إعداد العدة للتوجه صوب فلسطين لبدء المهمة المنتظرة بكنس كل الأنجاس من ترابها الطاهر؛ أو كما اختصرها الساخر الراحل محمد الماغوط حين كتب: "من كثرة الطرق التي أصبحت تؤدي إلى فلسطين، صارت القضية في حاجة إلى إدارة مرور".

حينها كانت فئات عريضة مدركة "للخطة" المتفق عليها رغم أن جلسات الجامعة العربية آنذاك لا تعترف بكلمة "الاتفاق"، وكانت أشبه بمسرحيات كوميدية بفعل التجاذبات والمناوشات ووجود ثلة من "الممثلين" أصحاب الحس الفكاهي؛ لكن وبمنتهى الأمانة هناك شرائح واسعة انطلت عليها الحيلة، والدليل أن أجيالاً جديدة صارت تمتهن "حرفة" التمرد على شعار "دعم فلسطين" وتتزعمها تيارات بنوايا "ملتبسة"، أسوة بالعديد من دعاة الأمازيغية تحديداً في المغرب العربي (هذا الاسم المعتمد عندي مع الأسف لأنه لا يعجبهم أيضاً) الذين سعوا باستماتة واسعة للترويج لهذه النظرية التي يتبناها البعض بكل سذاجة، ظناً منهم أن الحكام العرب فعلاً حريصون كل الحرص على استعادة الأراضي المغتصبة، وكانوا طوال العقود الماضية يبذلون الغالي والنفيس من أجل هذا الهدف؛ ولهذا ارتأت هذه الفئات أن زمن الركون والخنوع وإشهار العصيان ضد هذا التوجه قد حان، ولعل في المقولة "المسمومة" المنتشرة في المغرب على سبيل المثال وهي "تازة قبل غزة" الدليل الأبرز.

لكن الملفت اليوم أن القيادات العربية التي استلمت زمام الأمور بعد "وأد" تجارب الربيع العربي وما أفضت إليه بعد استنشاق عبير الحرية والاختيار لفترة محدودة ووجيزة جداً؛ هؤلاء قرروا إحداث القطيعة مع "الشعارات البائدة" لجيل الحكام السابق وقرروا وضع النقط على الحروف في زمن التطبيع أو ما يُصطلح عليه "الاتفاقات الإبراهيمية"؛ رغم أن هناك ثلة بدأت بنفس المنهجية و"تمسكنت حتى تمكنت"، على غرار الرئيس التونسي قيس سعيّد الذي أرهقه قناع الادعاء الزائف وبات يمضي ويعبّر بخطى حثيثة وبدون خجل عن حقيقته، كي لا يبتعد كثيراً عن زملائه الآخرين ممن قطعوا أشواطاً كبيرة في تثبيت الزواج العرفي مع الكيان الغاصب وترسيمه على الملأ وعلى "عينك يا تاجر".

التنكيل بنشطاء أسطول الصمود:

ما يتعرض له الشباب التونسيون من المساهمين في الإعداد لقافلة "أسطول الصمود" للتضامن مع أهالي قطاع؛ غزة يفضح بجلاء سياسة نظام سعيّد الممنهجة في الانتقام منهم وتعريض حياتهم للخطر، عبر سلسلة إجراءات مغلفة بـ"الإطار القانوني" الذي يجيد "أستاذ القانون الدستوري" اللعب على وتره جيداً، ولنا في سجن خيرة شباب البلد من كفاءات وسياسيين وصحفيين مستقلين ومواطنين بسطاء خير مثال على هذه الممارسات الإجرامية.

المثير للحنق بعد تمديد اعتقال النشطاء الأربعة: غسان البوغديري، ووائل نور، وغسان الهنشيري، ونبيل الشنوفي، لأربعة أشهر إضافية بعد الأولى التي كان من المفترض أنها انتهت بعد الستة أشهر الأولى التي بدأت بتاريخ 16 آذار/مارس الماضي؛ أن البعض "يحتفي" بقرار إطلاق سراح الشباب الآخرين المعتقلين بتهمة "المشاركة في مظاهرة" هدفها الأساسي أصلاً الدعوة لإطلاق سراح المشرفين على الأسطول.

تخيلوا أين وصلنا مع هذا النظام الذي يتلاعب بالقوانين حسب هواه؛ فبدل الاستمرار في المطالبة بالإفراج عن الأربعة المتهمين بـ"التآمر لغسل الأموال والاحتيال المرتبط بجمع التبرعات للأسطول"، والذين يمرون بظروف صحية صعبة للغاية، تم اللجوء لحيلة خبيثة وهي اعتقال أسماء أخرى جديدة، وبعد أسابيع من الاحتفاظ بهم يأتي قرار الدائرة الجناحية في المحكمة الابتدائية بالحكم بالسجن 6 أشهر مع تأجيل التنفيذ على كل من حذامي الهمامي ومريم الحلفاوي؛ بينما حُكم على كل من مروان بالضيافي ومنير العيادي بسبعة أشهر موقوفة التنفيذ أيضاً، ما يعني تمتيعهم بالسراح؛ فيما رُفض الإفراج عن الناشط قيس بوززيّة وتأجيل النظر في ملفه إلى الثاني عشر من الشهر الحالي.

ولعل النقطة "الأغرب" تجلّت في "الأمر الرئاسي" القاضي بـ"تمكين" الطفل آدم مبارك من العودة لمدرسته، وهو الذي أمضى 18 يوماً في السجن بنفس التهمة؛ أي التضامن مع نشطاء الأسطول؛ لماذا تم اعتقاله من الأساس؟ ومن يتحمّل مسؤولية الوقت الذي أهدره بعيداً عن دراسته؟ وهل ما زالت هذه "الانتقائية" مجدية لإقناع الشعب "بالحس الإنساني العالي" للقيادة الحكيمة؟ وماذا عن هؤلاء الشباب الأربعة إذن؟ أم أن القرار يبدو أكبر من محيط "قصر قرطاج"؟

تنشيط الذاكرة:

إذا عدنا للوراء قليلاً ومع الفترة الرئاسية الأولى لقيس سعيّد في الحكم؛ أتذكر أن الكثيرين تفاءلوا بالوجه الجديد الحريص على استخدام لغة الضاد لدرجة مراعاة مخارج الحروف والنطق السليم، وحينها كانت قضية الشهيد محمد الزواري ما زالت تحتل صدارة الأحداث، لا سيما الوضع القانوني الضبابي لأرملته السيدة ماجدة صالح التي تملك الجنسية السورية، وعودتها لبلدها في ظل استبداد نظام الأسد تبدو محفوفة بالمخاطر؛ لأن العديد من أهلها تعرّضوا للاستهداف، وسعت العديد من الشخصيات المرموقة في الأوساط الحقوقية لإيصال ملف طلب الجنسية التونسية لرئاسة الجمهورية، حتى إن شائعات عدة انتشرت في وسائل الإعلام تتحدث عن تدخّل شخصي لسعيّد لتلبية طلبها؛ لكن الحقيقة المرة أن الشعب التونسي، وحسب شهادتها، منحها كل الدعم والحب مقابل إهمال رسمي واضح بلغ حد المضايقات في الفترة الأولى التي سبقت حادثة استشهاد زوجها المهندس الذي ضحّى بوقته وجهده من أجل نصرة القضية الفلسطينية.

شخصياً تشرّفت بمحاورتها في لقاء صحفي سابق، ومنذ تلك اللحظة ظلّت الشكوك تساورني حول الوجه الحقيقي الذي يخفيه نظام قيس سعيّد، وها هو اليوم ينكشف مع ما يتعرّض له هؤلاء الشباب الذين يمثلون مشاعر المواطنين التونسيين الصادقة من "بن قردان إلى تونس العاصمة" تجاه أشقائهم في غزة وسائر تراب فلسطين.

العربي 21

شارك هذا المقال: