"مسار قرطاج"... بدء وتعطل
اخبار وطنية 14 أكتوبر 2026

"مسار قرطاج"... بدء وتعطل

بقلم: ameurayed

في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2024 أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال المؤتمر الصحافي بمناسبة زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي إلى الجزائر، عن مشروع لقاء ثلاثي يجمع قادة الجزائر وتونس وليبيا في طرابلس، ضمن ما يعرف "بمسار قرطاج". وقال، وقتها: "نحن على وشك الالتقاء بليبيا في إطار التشاور الثلاثي، ونحن في انتظار تحديد موعد لذلك من قبل الرئيس المنفي".

لم يحدد موعد ولم يعقد اللقاء ولا من يحزنون. لم تسمح ظروف الحالة الليبية المتأزمة، بترتيب قمة ثلاثية كان مقرراً أن تكون الثالثة بعد تلك التي جمعت تبون والنفي والرئيس التونسي قيس سعيّد، في تونس في إبريل/نيسان 2024 وفي الجزائر في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام. كان ذلك المسار الثلاثي مشروعاً طموحاً لبناء شراكات سياسية واقتصادية وفتح المعابر التجارية، وتنشيط أفضل لحركة تنقل الأفراد، وتأمين وتنمية الحدود، والتفاهم على آليات مشتركة في ما يتعلق بالهجرة غير النظامية وصياغة موقف موحد تخاطب به الدول المغاربية الطرف الأوروبي.

صحيح أنه عقدت لاحقاً سلسلة لقاءات بين حكومات الدول الثلاث، حيث اجتمع وزراء الداخلية في تونس لمناقشة قضايا الهجرة وتدفقات المهاجرين والأمن الحدودي، وعقد اجتماع لوزراء التجارة في الجزائر ناقش ملف التبادلات والمعابر التجارية وفكرة المناطق التجارية الحرة، واجتماع ثالث لهيئات رجال الأعمال، بحث خطة تطوير المناطق الحدودية المشتركة عبر إقامة مناطق للتبادل الحر وإنشاء مناطق صناعية ذكية فيها، واستقطاب المشاريع المشتركة، لدعم مقومات الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية. لكن كل هذه الأفكار السياسية والاقتصادية البالغة الإيجابية، كانت بحاجة إلى قرار سياسي، والقرار السياسي بحاجة إلى دولة مستقرة، والدولة بحاجة إلى مؤسسات ناظمة وقوية، وهذا يغيب بشكل كبير، في الحالة التونسية المتأرجحة، وفي الحالة الليبية المتأزمة.

يكشف ذلك الى أي حد تصبح المسائل أكثر تعقيداً في الشراكات الإقليمية عندما يفقد البلد، أي بلد كان، بنية الدولة وخطها الاستراتيجي ومؤسساتها المركزية، بغض النظر عن ضعفها المرحلي أو قوتها، وعن طبيعة النظام القائم، وكيف تتعطل المسارات والمشاريع البينية الحيوية لأسباب بالية أو معقدة، حتى وإن كانت تملك كل أسباب التنفيذ وعوامل النجاح المتعددة. وكيف تغيب الرؤية عندما تصبح الخطوات السياسية والاقتصادية بين مد وجزر، وإلى أي حد يسقط الحمل والثقل كله على بلد واحد، مثل الجزائر، قد لا يكون مستعداً بالضرورة لتحمل الأعباء والمسؤوليات الإقليمية، أو يجبر على التعامل مع تداعياتها تعقيداتها.

يقدم ذلك درساً بليغاً لكل الأطراف والفواعل، سواء الحاكمة أو ذات علاقة بالقرار، وللقوى والاتجاهات السياسية في أي بلد، وبخاصة تونس وليبيا ضمن السياق المغاربي، مفاده أن إضعاف الدولة وضعفها، أو التغييرات الهيكلية غير المدروسة على قاعدة الواقع المحلي واستحقاقاته كمحدد أساسي، لا ينعكس على الأوضاع الداخلية للبلد والدولة فحسب، لكنه يحد من قدرتها على المضي في شراكات بينية، ويضعف موقفها التفاوضي في القضايا الحيوية، ويفاقم هشاشة حدودها الجغرافية والسياسية، ويفوت على كل المنطقة، دولاً وشعوباً، فرصاً سياسية واقتصادية، لم تكن أبداً مستحيلة حتى بالحد الأدنى من العقل السياسي.

العربي الجديد

شارك هذا المقال:

"مسار قرطاج"... بدء وتعطل | أنساق