ما خفي أعظم.. حرب الروايات ومعركة المراجعة
مقالات راي 2 نوفمبر 2026

ما خفي أعظم.. حرب الروايات ومعركة المراجعة

بقلم: ameurayed

ابراهيم حمامي

لن تغيّر الحلقة الأخيرة من برنامج "ما خفي أعظم" قناعات الفريقين الفلسطينيين، في ظل استقطاب غير مسبوق. فريق يرى في المقاومة حقاً طبيعياً، ويعتبر السابع من أكتوبر محطة كسرت هيبة الاحتلال، لكنه قد يقع أحياناً في تقديس القرار ورفض مراجعته.. وفريق آخر يحمّل من اتخذوا القرار مسؤولية ما جرى، إلى درجة أن بعض خطاباته تكاد تعفي الاحتلال من مسؤولية جرائمه، وتصور العملية باعتبارها مغامرة انتحارية ضحّت بشعب بأكمله.

لكن أهمية الوثائقي تتجاوز هذه المواقف جميعاً، لتندرج في إطار حرب أخرى مستمرة منذ ثلاث سنوات: حرب الروايات. فقد تهاوت روايات إسرائيلية عديدة أمام الأدلة والتحقيقات والتوثيق، فيما راكمت الرواية الفلسطينية رصيداً مهماً من المصداقية. ويأتي الكشف عن الأرشيف ليضيف مادة جديدة إلى هذه المعركة على الذاكرة، ويطرح أسئلة تتجاوز التوثيق إلى طبيعة القرار وأهدافه والجهة التي اتخذته.

ومن أبرز ما تعرضه الحلقة، وفق ما ورد فيها، أن قرار العملية لم يكن فردياً كما ادعى البعض، بل سبقه نقاش وتخطيط على مستوى القيادة العسكرية في القطاع. كما تشير إلى أن الهدف المعلن كان القضاء على فرقة غزة وأسر أكبر عدد ممكن من الجنود، وأن إلغاء العملية كان مطروحاً إذا توقفت الانتهاكات المتعلقة بالأقصى والاسرى.

وتكشف كذلك أن القيادة توقعت رداً إسرائيلياً عنيفاً، لكن ذلك لا يثبت أنها توقعت بالضرورة حجم الحرب والدمار والكارثة الإنسانية التي وقعت لاحقاً، ولا حجم الخذلان من القريب والصديق. وتُلقي المشاهد أيضاً الضوء على البعد المؤسسي والتنظيمي، وعلى طبيعة العلاقة بين القادة الذين ظهروا في الأرشيف.

هذه المعطيات مهمة لفهم ما جرى، لكنها لا تحسم وحدها كل الأسئلة المتعلقة بالتقدير الاستراتيجي، أو بما حدث أثناء التنفيذ، أو بالنتائج التي ترتبت على العملية.

وهنا يجب التمييز بين التحليل والمراجعة من جهة، والمحاكمة بأثر رجعي من جهة أخرى.. فمن السهل، بعد معرفة النتائج، الادعاء بأن أصحاب القرار كان ينبغي أن يعرفوا مسبقاً كل ما سيحدث! لكن التقييم الجاد يقتضي فهم المعلومات المتاحة وقتها، والبدائل الممكنة، وما كان متوقعاً وما لم يكن كذلك.. وهذا لا يعفي أصحاب القرار من المراجعة والتقييم، كما لا يبرئ الاحتلال من مسؤولية جرائمه.

فهل يعني ذلك الامتناع عن النقد والمراجعة؟ بالطبع لا، بل إنهما ضرورة وطنية ملحّة في مرحلة جديدة تستوجب استخلاص الدروس وتصحيح المسار، والبحث عن البدائل في مسيرة متواصلة ضد الاحتلال وجرائمه..

لكن ثمة فرقاً بين مراجعة غايتها البناء والتقدم، ومراجعة هدفها تصيّد الأخطاء لتصفية الحسابات أو تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية الكارثة. وثمة فرق أيضاً بين ضرورة المراجعة واستعجال المحاسبة فيما الحرب لم تنتهِ آثارها، ومعاناة الناس مستمرة، والأولويات الإنسانية ووجود الفلسطينيين فوق أرضهم لا يزالان مهددين. ومن يطالب اليوم بالمحاسبة بعد أن وقف متفرجاً، أو تواطأ على حصار غزة ومأساتها، لا يملك احتكار موقع القاضي، وإن كان ذلك لا يسقط حقه في النقد من حيث المبدأ.

المطلوب ليس تقديس السابع من أكتوبر، ولا تحويله إلى تفسير وحيد لكل ما جرى بعده، بل قراءة شجاعة وصادقة ليس هدفها تحقيق نقاط سياسية من طرف ضد آخر، ولا تبرئ الاحتلال من جرائمه. فالمقاومة حق، والمراجعة ضرورة، لكنها ليست أداة لتبرئة المحتل. والغاية ليست الانتصار في سجال فلسطيني داخلي، بل حماية الشعب، وتصحيح المسار، وصون حقه في الحرية والحياة على أرضه.

شارك هذا المقال: