تونس. بلد منكوب
مقالات راي 28 أوت 2026

تونس. بلد منكوب

بقلم: ameurayed

نعم، سأقولها بلا خوف من سوء الفهم:

في معنى آخر للنكبة، تونس اليوم بلد منكوب… وربما أكثر نكبة من غزة.

وقبل أن يبدأ أصحاب المزايدات الأخلاقية في الصراخ، دعونا نتفق على شيء واحد: لا أحد عاقل يقارن عدد الشهداء والجرحى والدمار والتهجير في غزة بما يحدث في تونس. غزة تعيش حربًا مروعة، وعدوانًا ودمارًا لا يمكن مقارنتهما بأي شيء.

لكنني لا أتحدث عن حجم القصف.أتحدث عن حال الإنسان.

أتحدث عن النكبة عندما تصبح الحياة نفسها عبئًا يوميًا.

غزة تعرف لماذا تموت.

أما التونسي فلا يعرف أحيانًا لماذا يعيش بهذه الطريقة.

في غزة عدو واضح.

في تونس، عدوّك هو الغلاء، والبطالة، والعطش، وانهيار الخدمات، وانسداد الأفق، والبيروقراطية، والخوف من المستقبل… ثم عليك فوق ذلك أن تقنع نفسك بأن الأمور تسير نحو الأفضل.

في غزة، البيوت تهدمها القنابل. في تونس، الأحلام تهدمها الأسعار،وغياب اساسيات الحياة.

في غزة، الناس تبحث عن الماء وسط الركام.

في تونس، الناس تتصارع من أجل قارورة ماء، وتنتظر عودة الماء إلى الصنبور، وكأننا عدنا إلى زمن لم تكن فيه الدولة قد اكتُشفت بعد.

في غزة، تنقطع الكهرباء بسبب الحرب.

وفي تونس، تنقطع الكهرباء والماء في بلد لا يعيش حربًا.

في غزة، يهرب الناس من القصف.

وفي تونس، يهرب الشباب من الوطن.

وهذه ربما واحدة من أكثر المفارقات قسوة.

الغزي يريد أن يبقى في أرضه رغم الموت.

والتونسي يغامر بالموت في البحر كي يغادر أرضه.

الغزي يموت لأنه لا يستطيع الخروج.

والتونسي قد يموت لأنه يريد الخروج.

أي مفارقة أكثر مرارة من هذه؟

ثم هناك شيء آخر.

غزة، رغم كل ما يحدث فيها، لا تحتاج إلى اختراع عدو داخلي كل صباح.

لا تجد شعبًا غزيًا منشغلًا بإهانة نفسه.

ولا تجد أمًا فلسطينية تقول لابنها: أنت سبب الخراب.

ولا أبًا يلعن ابنه لأنه يريد الهجرة.

هناك عدو واضح. وهناك مأساة واضحة.وهناك شعب يعرف أنه منكوب.

أما نحن؟

فنحن في بلد يُطلب من المواطن فيه أن يصفق للنكبة حتى لا يتهم بالخيانة

غزة لا تحكمها الشعبوية.

غزة لا تحتاج إلى ماكينة خطاب يومية تقنع الناس بأن الفقر فضيلة، وأن العجز مؤامرة، وأن كل فشل سببه الآخرون.

غزة لا يخرج شعبها كل صباح ليشتم مسؤوليه ثم يعود إلى بيته ليكتشف أنه هو الخائن.

غزة لا تحتاج إلى اختراع «متآمرين» لتفسير كل أزمة.

غزة تعرف أن هناك حربًا.

أما نحن، فقد أصبحنا في حرب مع الحقيقة نفسها.

كلما ظهرت أزمة، بحثنا عن خصم.

كلما ارتفع السعر، ظهر متآمر.

كلما انقطع الماء، ظهر مسؤول يتحدث عن المستقبل.

كلما مات شاب في البحر، تحدثنا عن «الحرقة» بدل أن نسأل: لماذا أصبح الوطن عاجزًا عن إقناعه بالبقاء؟

والأكثر قسوة أن غزة، وسط كل هذا الخراب، تأتيها المساعدات.

طعام، ودواء، وماء، ومؤسسات إغاثة، ومنظمات دولية، وأعين العالم ــ مهما كان عجزه أو نفاقه ــ موجهة إليها.

أما التونسي الفقير؟ فهو يتدبر أمره بنفسه. حتى دولته في سبات دائم تبحث عن المتامرين في زبالة الوطن او ما تبقى منه.

التونسي يموت بصمت.

وهذه هي النكبة التي لا تُصوَّر على شاشات التلفزيون.

غزة لديها أنقاض.

نحن لدينا أنقاض لا تظهر في الصور. أنقاض الإنسان داخل الإنسان.

في غزة، الطفل الذي يفقد بيته يعرف أنه فقد بيتًا.

أما الطفل التونسي الذي يكبر وهو يرى أباه عاجزًا عن توفير أبسط حاجيات الحياة، وأخاه يستعد للهجرة، وأخته تبحث عن عمل، وأمه تحسب ثمن الدواء، فإنه قد يفقد شيئًا أكثر خطورة:

الإيمان بأن الوطن يمكن أن يكون مستقبلًا

لا تقارنوا أنقاض غزة بأنقاض تونس.

قارنوا علاقة الإنسان بوطنه.

هناك، رغم الحرب، يتمسك الناس بالأرض.

وهنا، رغم غياب الحرب، يحلم الناس بالفرار منها.

هناك، العالم يرى النكبة.

وهنا، السلطة تريد منك أن ترى الإنجاز.

هناك، القصف يهدم البيوت.

وهنا، الخطاب الشعبوي يحاول أن يهدم السؤال.

هناك، الناس تطلب النجاة من الموت.

وهنا، الناس تطلب النجاة من الحياة.

وهذه، في رأيي، هي المفارقة الأكثر رعبًا.

غزة منكوبة بالحرب.

أما تونس فهي مهددة بأن تصبح منكوبة بالاعتياد على البؤس.

والنكبة الحقيقية تبدأ عندما يتوقف المنكوب عن الشعور بأنه منكوب.

عندما يصبح الطابور عاديًا.والعطش عاديًا. والغلاء عاديًا.

والبطالة عادية.والهجرة عادية.والموت في البحر عاديًا.

والمرض عاديًا.والكذب السياسي عاديًا.والفشل عاديًا.والخوف عاديًا.

حينها لا تحتاج تونس إلى قنبلة واحدة لكي تكون دولة منكوبة.

يكفي أن يستيقظ شعبها كل صباح، وينظر إلى حياته، ثم يقول:

«الحمد لله… مازلنا عايشين.»

لا يا سيدي.

هذه ليست حياة.

هذا مجرد تأجيل للموت.

شارك هذا المقال:

تونس. بلد منكوب | أنساق