التجربتان المصرية والتونسية: مأزق الإسلام السياسي بين وصاية التنظيم واستحقاقات الدولة الوطنية
مقالات راي 12 أكتوبر 2026

التجربتان المصرية والتونسية: مأزق الإسلام السياسي بين وصاية التنظيم واستحقاقات الدولة الوطنية

بقلم: ameurayed

تكشف التجربتان المصرية والتونسية عن إشكالية مركزية في علاقة الحركات الإسلامية بالدولة الوطنية: كيف تنتقل الحركة من تنظيم أيديولوجي له مرجعيته الخاصة وقواعده الداخلية إلى فاعل سياسي يعمل داخل مجتمع تعددي، ويقبل بأن تكون الدولة ومؤسساتها أوسع من مشروعه الحركي؟

لا تتطابق التجربتان في الظروف أو المسارات أو النتائج، لكنهما تتيحان دراسة التوتر بين الشرعية الانتخابية، والقدرة على بناء التوافقات، واستقلال مؤسسات الدولة، وحدود الولاء التنظيمي. كما تكشفان أن الفوز الانتخابي لا يكفي وحده لإدارة الدولة، وأن امتلاك تنظيم متماسك لا يضمن القدرة على بناء نظام سياسي مستقر.

أولا: التجربة المصرية — من الوصول إلى السلطة إلى الانهيار السياسي

ّل وصول محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين، إلى رئاسة مصر في يونيو 2012 محطة تاريخية؛ إذ انتقلت الجماعة من موقع المعارضة الطويلة إلى رئاسة الدولة عبر الانتخابات. غير أن هذه النقلة كشفت صعوبة الانتقال من منطق الحركة المنظمة إلى منطق الحكم الوطني.

1. التنظيم في مواجهة الدولة

دخلت جماعة الإخوان المسلمين مرحلة الحكم وهي تحمل إرثا تنظيميا طويلا، وشبكات داخلية، ومرجعية فكرية، وقواعد للانضباط والولاء. لكن إدارة الدولة تتطلب منطقاً مختلفاً: مؤسسات مستقلة، وتحالفات متنوعة، وتفاوضا مستمرا، وقبولاً بأن الرئاسة ليست امتدادا لقيادة الجماعة.

وقد أثارت قرارات رئاسية وخلافات دستورية، ولا سيما الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، مخاوف لدى قطاعات من المعارضة بشأن تركّز السلطة وضمانات الرقابة والتوازن المؤسسي. وفي المقابل، رأت الجماعة ومؤيدوها أن قوى داخل الدولة والمجتمع عرقلت تجربتها وأنها لم تُمنح فرصة كافية للحكم.

لا يمكن تفسير الأزمة بعامل واحد؛ فقد تداخل الاستقطاب السياسي، وضعف الثقة بين الأطراف، والأزمات الاقتصادية، والخلافات الدستورية، والتعبئة الشعبية، ومواقف مؤسسات الدولة.

2. أزمة التوافق وحدود الشرعية الانتخابية

تتمثل إحدى المسائل الأساسية في أن الشرعية الانتخابية تمنح حق تولي السلطة وفق القواعد الدستورية، لكنها لا تمنح تفويضا مفتوحا لإدارة الدولة من دون رقابة أو توافقات ضرورية.

فالأغلبية الانتخابية لا تلغي حقوق الأقلية، كما أن المعارضة لا تملك حق إبطال نتائج الانتخابات خارج الآليات الدستورية.

عندما يتراجع الحوار، ويتحول الخصم إلى تهديد وجودي، تصبح المؤسسات ساحة للصراع بدلا من أن تكون إطارا لإدارته. وفي الحالة المصرية، تعمقت المواجهة حتى تدخل الجيش في 3 يوليو 2013، وعزل مرسي، ثم أعقبت ذلك حملة واسعة من القمع والاعتقالات ضد الإخوان ومعارضي السلطة الجديدة.

وهكذا انتهت التجربة إلى إقصاء سياسي حاد، لا إلى تسوية ديمقراطية مستقرة. ولا يعني ذلك أن مسؤولية المسار تقع على طرف واحد، أو أن التدخل العسكري كان نتيجة حتمية للسياسات السابقة؛ بل إن مسؤولية الفاعلين السياسيين عن أخطائهم لا تلغي مسؤولية المؤسسة العسكرية عن قراراتها ولا تبرر القمع اللاحق.

3. الدرس المصري

تكشف التجربة المصرية عن خطورة اجتماع ثلاثة اختلالات: ضعف التوافق السياسي، وعدم استقرار العلاقة بين التنظيم ومؤسسات الدولة، وغياب آلية سياسية قادرة على احتواء الصراع قبل تحوله إلى مواجهة شاملة.

والسؤال هنا ليس فقط لماذا فقد الإخوان السلطة، بل لماذا لم تنجح القوى السياسية والمؤسسات في حماية التنافس الدستوري من الانهيار؟

إن فشل تجربة حكم لا يبرر إلغاء حق تيار اجتماعي في المشاركة السياسية، مثلما أن الفوز بالانتخابات لا يمنح أي تنظيم حق احتكار الدولة أو إخضاع مؤسساتها لولائه.

ثانيا: التجربة التونسية — من التوافق الدستوري إلى تراجع المجال السياسي

تقدم التجربة التونسية مسارا مختلفا في بعض مراحله. فقد فازت حركة النهضة بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011، لكنها لم تحصل على أغلبية مطلقة، واضطرت إلى تشكيل ائتلاف مع حزبين آخرين. ثم ساهمت المفاوضات مع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في التوصل إلى دستور 2014، الذي حظي بتوافق واسع داخل المجلس التأسيسي. 

لكن هذا المسار التوافقي لم يمنع لاحقا تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات، ولا الأزمة السياسية التي انتهت بإجراءات الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، حين جمّد عمل البرلمان وأقال رئيس الحكومة، ثم أعاد تشكيل النظام السياسي بصورة عززت سلطات الرئاسة.

1. النهضة وإشكالية التكيف مع الدولة الوطنية

أظهرت حركة النهضة قدرة على التفاوض وتقديم تنازلات في مرحلة الانتقال الدستوري. فقد تراجعت عن بعض المواقف في النقاشات المتعلقة بالهوية والتشريع والحقوق، وشاركت في تسوية سياسية أتاحت اعتماد دستور 2014.

وهذه نقطة مهمة في المقارنة مع التجربة المصرية: لم يكن المسار التونسي مجرد محاولة للسيطرة على مؤسسات الدولة، بل شهد أيضا خيارات تفاوضية ساهمت في تجاوز أزمة سياسية حادة. وكان للحوار الوطني الذي اضطلعت به منظمات المجتمع المدني دور أساسي في تقريب المواقف واستئناف المسار الدستوري. 

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل هذه المرحلة إلى صورة مثالية. فقد واجهت النهضة انتقادات تتعلق بأدائها الحكومي، وعلاقتها ببقية الأحزاب، وقدرتها على تجديد قيادتها وخطابها، ومدى استعدادها لإجراء مراجعات داخلية عميقة.

فالتوافق مع الخصوم في لحظة أزمة لا يعني بالضرورة أن الحزب تجاوز نهائيا التوتر بين متطلبات التنظيم ومتطلبات العمل السياسي المفتوح.

2. حين لا يتحول التوافق إلى تجديد سياسي

من أبرز الأسئلة التي تطرحها التجربة التونسية مدى قدرة الأحزاب على تحويل التسويات الدستورية إلى مؤسسات حزبية متجددة، وإلى سياسات عامة تستجيب لمطالب المواطنين.

فالتوافق السياسي قد يمنع انهيار المؤسسات، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة البطالة والتفاوت الاجتماعي والأزمات الاقتصادية، ولا يعوض ضعف الثقة في الأحزاب أو غياب التداول الداخلي الفعلي على القيادة.

وقد وثقت دراسات عن النهضة صعوبات في تجديد القيادة، وتأخر عقد المؤتمر الذي كان مقررا انتخاب قيادة جديدة، إلى جانب تراجع الارتباط الحزبي بالنهضة خلال السنوات اللاحقة. 

وهنا تظهر إشكالية التنظيم المغلق في صورة مختلفة عن الحالة المصرية: ليس بالضرورة عبر مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة، بل عبر صعوبة تحويل الانفتاح السياسي والتنازلات الخارجية إلى مراجعة تنظيمية داخلية مستدامة.

فالحركة التي تستطيع التفاوض مع خصومها، لكنها تجد صعوبة في تجديد قيادتها أو إعادة تقييم خياراتها، قد تحقق تسويات مرحلية من دون أن تتجاوز جميع أسباب أزمتها.

3. إجراءات 2021: أزمة الأحزاب أم أزمة النظام السياسي؟

استند قيس سعيّد إلى الأزمة السياسية والاجتماعية والصحية لتبرير إجراءات 25 يوليو 2021. وقد رحب بها بعض المواطنين باعتبارها استجابة لتعطل المؤسسات، فيما اعتبرها خصومه انقلابا على المسار الدستوري وتركيزا للسلطة. ثم توسعت صلاحيات الرئاسة، وأُقر دستور جديد سنة 2022 غيّر بنية النظام السياسي. 

لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:

أزمة حركة النهضة: وتتصل بأدائها السياسي والتنظيمي، وبمدى قدرتها على الاستجابة لمطالب المجتمع وتجديد نفسها.

أزمة المنظومة الحزبية: وتتصل بتراجع الثقة في الأحزاب وعجزها عن معالجة مشكلات الحكم والاقتصاد والتوافق.

أزمة المسار الدستوري: وتتصل بتركيز السلطة الرئاسية وتراجع الضوابط المؤسسية والتوازنات التي كانت قائمة بعد 2011.

إن إخفاق حزب أو تراجع شعبيته لا يمنح السلطة التنفيذية تفويضا غير محدود لتغيير قواعد الحكم أو إضعاف الضمانات الدستورية. كما أن الدفاع عن الديمقراطية لا يقتضي إعفاء الأحزاب من النقد والمساءلة.

وهكذا تكشف تونس أن أزمة الأحزاب قد تهيئ المجال لصعود خطاب يتجاوزها باسم الشعب، لكن معالجة أزمة التمثيل السياسي عبر تركيز السلطة قد تضعف المجال العام بدلا من إصلاحه.

ثالثا: ماذا تكشف التجربتان عن وصاية التنظيم؟

يمكن استخلاص أربع دلالات تحليلية:

1. التنظيم القوي ليس بديلا عن الشرعية الوطنية. قد تمنح البنية التنظيمية المنضبطة الحزب قدرة على التعبئة والفوز بالانتخابات، لكنها لا تعوض الحاجة إلى إدارة الدولة بمؤسسات مستقلة وتوافقات سياسية.

2. المشاركة لا تعني احتكار التمثيل. لا يجوز لأي حركة أن تعتبر تفوقها الانتخابي تفويضا لفرض رؤيتها على المجتمع، كما لا يجوز لأي سلطة أن تتخذ إخفاق الحركة ذريعة لإلغاء المنافسة السياسية.

3. التوافق يحتاج إلى مراجعة داخلية. لا تكفي التسويات مع الخصوم إذا لم يصاحبها انفتاح داخل التنظيم، وتجديد للقيادة، وقبول بحرية النقد والاجتهاد.

4. إضعاف الأحزاب قد يضعف الدولة الوطنية نفسها. حين تتراجع الثقة في المؤسسات والوسائط السياسية، يصبح المجال العام أكثر عرضة للاستقطاب أو للتركيز الرئاسي للسلطة. ولا تتحقق استعادة الدولة بإلغاء التعددية، بل بإصلاح المؤسسات وضمان المحاسبة والمشاركة.

رابعا: الدرس الأوسع — الدولة أكبر من الحركة والسلطة

تكشف التجربتان المصرية والتونسية، بطريقتين مختلفتين، أن أزمة الإسلام السياسي ليست مسألة انتخابية فحسب، بل تتعلق بمدى قدرته على التكيف مع قواعد الدولة الوطنية الحديثة.

ففي مصر، انتهى الصراع إلى عزل الرئيس المنتخب وإقصاء واسع لجماعته، في سياق لا يمكن فهمه من دون وزن المؤسسة العسكرية والاستقطاب السياسي وأزمة الانتقال الدستوري. وفي تونس، أتاح التوافق مرحلة دستورية مهمة، لكنه لم يمنع تراجع الثقة في الأحزاب، ثم تراجع الضوابط المؤسسية مع تركيز السلطة الرئاسية.

والقاسم التحليلي المشترك ليس أن التجربتين متطابقتان، بل أن استقرار الدولة لا يمكن أن يقوم على تنظيم يحتكر التمثيل، ولا على سلطة تحتكر تعريف المصلحة الوطنية وتضيق المجال السياسي.

إن الهزيمة السياسية للحركات الإسلامية لا تتحول إلى مراجعة تاريخية منتجة إلا عندما تقود إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة، وبين التنظيم والمجتمع، وبين الشرعية الانتخابية والشرعية الدستورية.

فالحركة التي لا تستطيع الفصل بين ولائها التنظيمي ومسؤوليتها الوطنية قد تجد نفسها في صدام مع المجتمع أو المؤسسات. والسلطة التي تعالج هذا الصدام بإلغاء التعددية قد تدفع الدولة بدورها إلى أزمة أعمق.

والخروج من هذه الحلقة يقتضي قاعدة واضحة: لا وصاية للتنظيم على خيارات المواطنين، ولا وصاية للسلطة على المجال السياسي، ولا شرعية لأي طرف تتيح له تجاوز الدستور والحقوق الأساسية.

فالدولة الوطنية ليست غنيمة انتخابية، ولا امتدادا لتنظيم أيديولوجي، ولا ملكا للسلطة القائمة؛ إنها إطار مشترك للمواطنين، لا يستقيم إلا بتعددية حقيقية، ومؤسسات مستقلة، ومساءلة متبادلة، وحق الجميع في المشاركة ضمن قواعد دستور.

طارق شيروف

شارك هذا المقال: