استنزاف مكثّف للشعارات مقابل فقر مدقع في الانجازات
مقالات راي 27 أكتوبر 2026

استنزاف مكثّف للشعارات مقابل فقر مدقع في الانجازات

بقلم: ameurayed

بدر السلام الطرابلسي

ربما أصبح من الممجوج التعليق على خطابيّة قيس سعيّد لكنني لن أتجاوزها على أيّة حال من موقع المسؤولية و الواجب. السيد الرئيس أثار في كلمة قالها خلال لقائه بوزرائه عدة نقاط ربما ستتحول مع الوقت لأصل دلالي لغوي شعراتي في البناء الكلاسيكي لاستراتيجيته الشعبوية، وهي على كل حال تعتبر بناء كلاسيكي في الاستراتيجيات الشعبوية عموما.

النقطة الأولى أكّد فيه على "ضرورة تلبية كلّ مطالب الشعب" هذا العبارة الفضفاضة تتطلب تدقيق شكلي وبنيوي في البداية حول طبيعة هذا الشعب الذي يتحدث عنه. فالمنطق الاجتماعي يقول أنه سيلبي مطالب جميع فئات الشعب بمختلف طبقاته وشرائحه العمرية ومكوناته السياسية لكن الرئيس وكما هو معلوم يستثني من شعبه المتخيّل الأحزاب المعارضة والمنظمات المدنية والحقوقية والنخب والناشطين والمواطنين من خارج دائرة المسار.

ثانيا تلبية كل مطالب الشعب حتى بتصوّره البنائي والإقصائي غير ممكن وربما شبه مستحيل. فكلمة "كلّ" في حد ذاته ليست من القاموس السياسي في شيء بل تدخل في بنية الشعارات السياسية المعومة.

ولذلك فإن حديثه عن تلبية كل مطالب الشعب يبقى في إطار الشعارات الشعبوية التي ترفع في الحملات الانتخابية ولا تصلح لأن تكون أداة حكم قائم على البرامج والمؤسسات ومراعاة الموازانات المالية للدولة قبل إطلاق وعود خيالية، خاصة مع وجود عجز في ميزانية الدولة سيصل لـ25 % سنة 2027.

ثانيا استخدم الرئيس عبارة "التحلّي بروح المقاتل على جبهة المواجهة". هل نحن في حالة حرب مع دولة أخرى أم نتعرض لغزو خارجي حتى يوظّف القاموس العسكري؟ أم أنه يقصد حرب جزء من الشعب مكون من أنصاره من جماعة المسار والفئات الشعبية التي تصدّق خطابه (بالنسبة له كل الشعب) ضد جزء آخر من الشعب يعارض سياساته من خارج المنظومة الشعبوية؟

أليس في ذلك تفرقة وتقسيم للمجتمع لا على أساس صراع الأفكار والتصورات والبرامج كما يبدو على السطح وإنما بخلفية تحريضية إقصائية تهدف لإلغاء الآخر المختلف من المعادلة السياسية؟

يعتبر هذا تكتيك شعبوي كلاسيكي يستخدمه القادة الشعبويون بهدف عزل خصومهم تمهيدا للإجهاز عليهم نهائيا مثلم فعل الفاشيون عند الوصول للسلطة في أوروبا خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي.

ثالثا استخدم الرئيس عبارة "الشّعب التّونسي آل على نفسه أن يكون حرّا" وهنا يجعل الحرية حكرا فقط على شعبه حسب مفهومه وتصوره الخاص للشعب ومكوناته، وطبعا يقصي منه باقي المكونات التي لا تنسجم مع مفهومه وتصوره للشعب ونظام الحكم والدولة أي النخب والأحزاب والمثقفين غير المتوافقين مع استراتيجيته الشعبوية.

لقد فقدت شعارات سعيّد الشعبوية بريقها وجاذبيتها عند جزء من أنصاره وجانب هام من عموم التونسيين المساندين له من كثرة تعسّفه في استخدامها دون تحقيق الحدّ الأدنى من الوعود والشعارات التي رفعها حول التشغيل وتحسين مستوى المعيشة والتعويل على الذات...إلخ.

لذلك يمكن تصنيفها كلغة خشبية شعبوية أكثر من كونها خطاب رسمي مسؤول يعكس مفهوم الدولة الحقيقي وتنوعها.

شارك هذا المقال: