ابو يعرب المرزوقي :مقترحات لا الزم بها احدااا
مقالات راي 21 أوت 2026

ابو يعرب المرزوقي :مقترحات لا الزم بها احدااا

بقلم: ameurayed

لا انكر أن مقترحاتي تحتوي على مفارقات تجعلها تفترض المستحيل للتغلب على ما يسمى باكراهات "الواقع"، ذلك أني أرى أن المؤمنين بالواقع هم علة وقوع اسوئه: فالواقع يكون حصيلة السقوط أو ثمرة الصعود عندما نؤمن بمنطق الفعل السياسي المؤثر فيه. اعتبرت دائما أن القوى السياسية في كل الجماعات حصيلة تاريخية ذات قوانين وسنن لا يمكن أن تتجاوز التفاعل بين دافع الاستعمار في الارض أي شروط القيام العضوي للإنسان ودافع الاستخلاف فيها أي: شروط دلالتها على حرية الإرادة غاية ورجاحة الحكمة أداة حتى لا يعبد الإنسان الإنسان فيخلص عبادته للرحمان ما يجعله أهلا للتكليف والمسؤولية. وهما اساسين لكونه "رئيسا بالطبع بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له" حسب تعريف ابن خلدون مؤولا لاستراتيجية الرسول في تأسيس دول الإسلام. وبذلك تتقدم شروط الاهلية للاستخلاف على شروط القيام العضوي التي هي شروط ضرورية لكنها غير كافية: فسد الحاجات يجعلها ابن خلدون شرط الوجود لكنها ليست شرط البقاء. لذلك اضاف سد الحاجات الروحية التي هي الغاية من الشروط العضوية: فالصحة مثلا ضرورية للحياة لكنها لا تكفي للحياة الكريمة التي يكون فيها الإنسان سيد نفسه فلا يكون تابعا لمن يستعمله عبدا ولا يعامله حرا. لذلك فالحل الذي اقترحه لاخراج تونس من كبوتها يبدو مشروطا بعلة الكبوة الأصلية التي إذا لم نعالجها لا يمكن أن نعالج الكبوات التي تلتها نتيجة لما سيطر على البداية من اخطاء حالت دون الثمرة. فبداية الحاية السياسية الحديثة في تونس يمكن اعتبارها قد بدأت بتكون أول حزب سنة 1920: الحزب الحر الدستوري الذي يمثل اول خطوة للجمع بين الأصالة والحداثة اي الجمع بين شرطي التحديث المستقل عن التحديث العنيف الذي يريد الاستعمار فرضه بحجة المهمة التحضيرية. حصل الانقسام في هذه الحركة حول فاعلية هذه الرؤية بين الثعالبية والبورقيبية. والصراع بين الحزب الأصلي والحزب المتفرع عنه خلاف حول النسب بين المطلبين ولم يكن خلافا حول ضرورتهما كليهما: فلا بورقيبة كان معاديا للإسلام ولا الثعالبي معاديا للحداثة. كل المشكل في ما حصل هو اطلاق المقابلة بين العاملين. وهو لم يحصل صدفة بل لأن كلا الصفين نسي العامل المقابل عند الثاني. فلكأن: التأصيل صار في حرب على التحديث والتحديث في حرب على التأصيل. وهذه هي المعركة التي جعلت الخلاف السياسي بين الرؤيتين ينتقل من صراع حول الاوليات دون نفي توابعها إلى صراع بين مطلقين كلاهما لايستجيب لكل حياة سياسية سوية: فلا بد من قوة سياسية أصيلة تحافظ على المقومات الأساسية لوجود حضارة من الحضارات: وهي القوة السياسية المحافظة. ولا بد من قوة سياسية أصيلة تحافظ على المقومات الأساسية لتطوير تلك الحضارة تطويرا لا يتنافى مع القوة الأولى وإن نافستها. وعندما نترجم الفعل السياسي للقوتين نكتشف أن كل واحدة منهما لا تختلف عن الثانية بوجود احد العنصرين بل برتبته: فالاولى تقدم المحافظة على فعل الأصيل والثاني تحافظ على التحديث. فيأخذ كل منهما افضل ما عند الثاني. وتتجلى نسبية الخلاف بينهما في ضوء نسبة الخلاف بين شروط الاستعمار في الأرض وشروط الاستخلاف فيها. أي في علاقة الفاعلية التاريخية التي تحقق شروط الازدهار الاقتصادي الذي يبدو ماديا خالصا والعدل الاجتماعي الذي يبدو روحيا خالصا. فإذا رد الخلاف بينهما إلى شروط الاقتصادي والاجتماعي يصبح المشكل في الجمع بين الفاعلية الاقتصادية والفاعلية الاجتماعية في تحديد إرادة الشعب لانتخاب من يمثله في إدارة شأنه. وعندئذ يصبح الخلاف بينهم من طبيعة سياسية تتعلق بالرعاية وبالحماية التي تحتاجها الجماعة وهما لا يمكن ان تتحققا من دون تعاونهم إما بالوحدة أو بالتداول في القيم بالمهمتين. ومن ثم فلا يمكن الشروع في الخروج من الكبوة الحالية من دون الوصول إلى هذه القناعة بالعودة إلى الكبوة الأولى التي جعلت الخيار بين التحديث العنيف والتأصيل العنيف. كلاهما لا يتحرر من العنف من دون فهم التلازم بين فعليهما المشترك إما في التحالف للحكم الموحد للجماعة المعد للتداول عليه بصورة ترى الجماعة احدهما اولى بتحقيق الرعاية والحماية افضل من الثاني إلى أن يفشل فتختار الثاني الذي يكون خلال حكم الاول قد تعلم من الاخطاء التي وقع فيها الاول في اقناع الجماعة باستراتيجيته في تحقيق شروط الرعاية والحماية. وتلك هي السياسة الديموقراطية التي يكون فيها السلطان الاصلي لإرادة الجماعة وحكمتها الراجحة. كل مقترحاتي منطلقها حقيقة الفعل السياسي الفعلي الذي كما وصفه ابن خلدون: لا بد من مرجعية جامعية للأغلبية التي تختارها الجماعة بحرية في إدارة شأنيها رعاية وحماية. ثم تغيرها عندما تكتشف أن الثانية صارت ممثلة لإرادة. وإذا لم يحصل ذلك فإن القوتين السياسيتين بدلا من أن تبقيا قوتي بناء تتحولان إلى قوة تهديم في حرب اهلية صريحة أو ضمينة أي إنهما تقدمان التغالب على التعاون. مشكل تونس هو أن الحرب الاهلية بين البورقيبية والثعالية ما زالت تحكم تاريخ تونس لكنها "خمجت" لما سيطر افسد ما في التأصيليين وما في التحديثيين من سلطان خبيث على الحياة الجماعية فقتلوا السياسة لأن كلا منهما صار يعتبر حربه على منافسه اولى من حربه على علل التخلف والانحطاط ليحكم وحده في خربة. في العالم كله لا يحكم لا اليمين ولا اليسار المتطرفين بل يسار اليمين (المحافظون) ويمين اليسار (الاشتراكيون) وهما ركنا كل حياة ديموقراطية تحقق شروط الرعاية تكوينا تموينا وشروط الحماية داخليا وخارجيا. ولا بد أن يبدأ ذلك بالتحالف بينهما لتهوين النوعين الفاسدين والتحرر من الوسط المتلاعب على الخلاف بينهما حتى تستقر الحياة السياسية في الوطن ويصبح التداول بينهما هو النظام الصلب الذي هو جوهر الديموقراطية المستقرة التي توقف الحرب الأهلية التي يغذيها التطرفين الفاسدين الذين يعيشون كالذباب في زبالة الفوضى والاحقاد في الجماعة

شارك هذا المقال:

ابو يعرب المرزوقي :مقترحات لا الزم بها احدااا | أنساق